قلت : وذكر خلافاً في موته عليه السلام في التِّيه أو بعده ، وصحح أنه كان في التِّيه ، وعزاه إلى ( 1 ) جمهور المسلمين وإلى أهل الكتاب .
فإن قلت : أليس في الحديث أن ملك الموت لما رجع إلى الله ، قال : يا رب أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت ، وهذا يدل على أنه قد أخبره أنه ملكُ الموت ، وأنه قد جاء لقبضه ، وأن موسى عليه السلام قد عرفه .
والجواب : أن هذا لا يدل على معرفة موسى لملك الموت ، ويدل على ذلك أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى " لا يقبض نبياً حتَّى يخيره " ، وفي حديث : " حتى يريه مقعده من الجنة ويخيره " ( 2 ) ، فلما جاء ملك الموت لقبض روحه عليه السلام من غير تخييرٍ ، وعنده لا يُقبض حتى يُخَيَّرَ ، لم يعلم أنه ملك الموت ، وشك في ذلك ، وظن أن هذا رجلٌ يدعي عليه أنه ملك الموت بغير دليلٍ ، فقد ذكر العلماء : أن الأنبياء لا يجوز لهم تصديق الملك في دعواه أنه مَلَكٌ إلاَّ بدليل من مُعجزٍ يظهره ، أو علمٍ ضروري يضطره إلى ذلك .
والذي يدلُّ على هذا أنه جاء في الحديث بعينه أنه ملك الموت لما رجع إليه عليه السلام ، وخيَّره بين الحياة والموت ، اختار الموت واستسلم ، وهذا وجهٌ حَسَنٌ في الجواب لا سبيل إلى القطع ببطلانه . ومع احتماله يرتفع الإشكال في القطع بتكذيب الرواة والمجازفة بجرح الثقات .
الوجة الثاني : أن نقول : سلَّمنا أنه جاءه على صفةٍ يعرف معها أنه ملكُ الموت ، ولكن المانع أن يكون موسى فعل ذلك وقد تغيَّر عقله ، فإن تلك الحال مَظِنَّةٌ لتغيُّر العقول ، فقد خرَّ موسى صعقاً من اندكاك الطور ، فكيف بهولِ
هامش
( 1 ) " إلى " ساقطة من ( ش ) .
( 2 ) أخرجه من حديث عائشة أحمد 6 / 89 ، والبخاري ( 4435 ) و ( 4437 ) و ( 4463 ) و ( 4586 ) و ( 6348 ) ، ومسلم ( 2444 ) ، والترمذي ( 3490 ) ، ومالك 1 / 238 - 239 .