تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
قلت : هذا العذر أقبح من المعتذر عنه ، فالجرُّ برأسه عليه السلام أهون من الظن فيه أنه رضي بالعجل شريكاً في الرُّبوبية لرب العز : جل جلاله . الجواب الثاني : وهو التحقيق ، وهو يشتمل على وجهين أيضاً : الوجه الأول - وهو المعتمد - : أنه يجوز أن يكون الملك أتاه في صورة رجل من البشر ، ولم يعرف أنه مَلَكٌ ، مثل ما أتى جبريل عليه السلام إلى مريم ، فتمثَّلَ لها بشراً سوياً ، ولهذا قالت : { إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } [ مريم : 18 ] ، ولو علِمَتْ أنه جبريل عليه السلام ، لما استعاذت بالله منه ، وقد صحَّ تصور الملائكة على صُورة ( 1 ) البشر ، وتواتر ذلك في الكتاب والسنة ، فلما أتى ملَكُ الموت إلى موسى على هذه الصفة ، وأراد أن يقتله ، دفع موسى عن نفسه ، وهذا الجوابُ وقع في خاطري ، ثم وقفت عليه في الأول من " البداية والنهاية " ( 2 ) لابن كثير منسوباً إلى الحافظ ابن حبَّان ، وذكر أنه ورد عليه كما جاء جبريل عليه السلام في صورة الأعرابي ، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط ولم يعرِفُاهم ، قال : وكونه فقأ عينه موافقٌ لشريعتنا في جواز فَقْء عينِ مَنْ نظر إليك في دارك بغير إذنٍ ، ثم قال ابن كثيرٍ : إنه لم يتحقق أنه مَلَكٌ ؛ لأنه كان يرجو أموراً كثيرةً كان يحبُّ وقوعها في حياته من خروجهم من التِّيه ، ودخولهم الأرض المقدسة . وقال في ذكر نبوَّة يُوشع ( 3 ) : وقد ذكروا في السفر الثالث من التوراة أن الله تعالى أمر موسى وهارون أن يعدَّا بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كل سبطٍ أميراً ، ليتأهَّبُوا للقتال ، قتال الجبارين عند الخروج من التِّيه ، وكان هذا عدَ اقتراب انقضاء أربعين سنة ، ولهذا قال بعضهم : إنما فقأ موسى عين الملك ، لأنه لم يعرِفْهُ ، ولأنه قد كان أُمرَ بأمرٍ كان يُرجى وقوعه في زمانه .
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " صور " . ( 2 ) 1 / 296 ، وانظر " صحيح ابن حبان " ( 6223 ) . ( 3 ) 1 / 298 .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 369 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )