تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
ما قالها ، لأنها صريح المُحال المعلوم إحالته بضرورة العقل ، بحيثُ لا يجوزُ أن يذهب إلى ذلك أحدٌ من غُلاة الجبرية ، والذي كذبها إما قليل العقل ، وإما قليل الحياء ، فليتيقَّن السيد الفرق بينها وبين دواوين الإسلام . نعم ، في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : " أن الله قدَّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ( 1 ) . هذا لفظ الحديث ، وليس فيه أن الله خلق المعاصي في العُصاة قبل أن يخلق العصاة ، ومن لم يميِّزْ بين العبارتين ؛ فليس من العقلاء البتة . الحديث الخامس : حديثُ موسى عليه السلام مع مَلَكِ الموت عليه السلام ( 2 ) وقد جعله السيدُ من الأحاديث التي لا يمكن تأويلها ، لِمَا ورد فيه من لطمِ موسى لملك الموت عليهما السلام حين جاء يقبض روحه الشريفة . وعن هذا الحديث جوابان : معارَضَةٌ ، وتحقيقٌ . أما المعارضة : فإنه قد ورد في القرآن العظيم أن موسى أخذ برأسِ أخيه يجرُّه إليه ، وذلك من غير ذنبٍ عَلِمَهُ من أخيه عليه السلام ، ولا دفع مضرَّةٍ خافها على نفسه ، وأخوه هارون نبي كريم بنصِّ القرآن وإجماع أهل ( 3 ) الإسلام ، ولا شك أن حرمة الأنبياء مثل حرمة الملائكة ، لأن من استخفَّ بنبيٍّ كفر . وقد بطش موسى عليه السلام بأخيه بطشاً شديداً ، ولهذا قال هارونُ عليه السلام يتلطَّف لموسى ويستعطفه : ابن أُمِّ لا تأخُذْ بلحيتي ، ولا برأسي ، ولا تُشْمِتْ بيَ الأعداء . فإن قلت : إنما فعل ذلك ، لأنه ظن أنه هارون رضيَ بما فعل قومه من عبادة العجل .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه 6 / 403 . ( 2 ) انظر ص 298 من هذا الجزء . ( 3 ) " أهل " ساقطة من ( ش ) .