تَسعَى } [ طه : 66 ] ، وهذا - مع نصِّ القرآن عليه - معلومٌ من أحوال السَّحَرةِ وخواص السحر ، وفيه ما يدلُّ على جواز وجود الشيء في قوة البصر على سبيلِ التخيل ، وإن لم يكن له وجودٌ حقيقيٌّ في حال الصحة واليقظة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { يُخَيَّلُ إليه من سحرهم أنها تسعى } ، فإن فيه أنه من ( 1 ) رآها يُخَيَّل إليه أنها تسعى ، وفيه أنها غير ساعيةٍ في الحقيقة ، ولهذا سمَّاه تخييلاً ، ومنه قوله تعالى : { فَتَمَثَّل لها بشراً سوياً } [ مريم : 17 ] ، ومنه تصوُّر الملائكة لقوم لوطٍ على صور شبابٍ حسانٍ ، وتمثُّل جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - على صورة دِحية الكلبي مرة ( 2 ) ، وعلى صورة أعرابيٍّ مرةً ( 3 ) ، وإلى ذلك أشار ابن الفارض في قوله ( 4 ) :
يرى ملكاً يُوحَى إليه ، وغيرهُ . . . يرى رجُلاً يوحى إليه بصحبَةِ
وفي الذكر ذكر اللَّبس ليس بمُنكرٍ . . . ولم أعْدُ عن حُكمي كتابٍ وسنةِ
والصحيح : أن صورة جبريل العظيمة لم تُحوَّل عما هي عليه .
الحجة الثانية : قوله عليه السلام : " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ( 5 ) . فإذا ثبت أن قلبه لا ينام ، فإنه يتخيل له في النوم ما لا حقيقة له ، كما يُخيل له عليه السلام أن في سيفه ثُلْمَةً في وقعة أُحدٍ ، وتمثَّلت له بقرٌ مُذَبَّحةٌ ( 6 ) ، ونحو ذلك مما لا
هامش
( 1 ) " من " ساقطة من ( د ) و ( ف ) .
( 2 ) أخرجه أحمد 2 / 107 ، والنسائي في العلم من " الكبرى " كما في " التحفة " 5 / 444 من حديث ابن عمر ، وصحَّح إسناده الحافظ في " الإصابة " 1 / 463 .
وأخرجه النسائي 8 / 403 من حديث أبي ذر وأبي هريرة بإسناد صحيح . وأخرجه أحمد 6 / 148 و 152 ، والطبراني في " الكبير " 23 / ( 85 ) من حديث عائشة ، وفيه عبد الله بن عمر العمري ، وهو ضعيف .
( 3 ) انظر 5 / 505 .
( 4 ) " ديوانه " ص 60 .
( 5 ) تقدم تخريجه 1 / 176 .
( 6 ) أخرح البخاري ( 3041 ) و ( 3622 ) و ( 4081 ) و ( 7035 ) ، ومسلم ( 2272 ) ، =