تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
قلت : هذا بحثٌ ظاهرٌ لغوي ، والراسخ في العلم : الثابت فيه ، الماهر في معانيه ، العارف للأدلة القطعية على ما يعتقد ، فهو أرسخ قدماً من شوامخ الجبال ، ولهذا ورد في صفة العالم : أنها تزول الرواسي ولا يزول ، وليس كل مجتهدٍ ، فهو غوَّاص الفِطْنَةِ ، سيَّال الذِّهن ، وقاد القريحة ، لمَّاحاً لخفيَّات المعاني ، درّاكاً لمغاصات الدقائق . وفي كلام العلامة رحمه الله : ليس العارف كالبارع في المعرفة ، ولا ليلة المزدلفة كيوم عرفة . انتهى . ألا ترى أن أبا بكر وعمر وعثمان وكثيراً من الصحابة كانوا مجتهدين ، ولما يكونوا في الرسوخ في العلم كأمير المؤمنين ، وقد قدمت في أول هذا الكتاب نكتةً حسنةً في تفاضل الناس إلى غير حدٍّ ، فخذه من هنالك . ويحتمل أن كل مجتهدٍ راسخٌ إذا كان ثابت العقائد والقواعد ، لا شك فيما قطع به ، وقدر احتمال نقيضه ، لأن الراسخ : الثابت في اللغة . المقدمة الثالثة : إذا اختلف رجلان من أهل العدل والتوحيد في حديثٍ يُخالف عقيدتهما ، فقال أحدهما : تأويله مما لا دليل على عجز الراسخين في العلم عن تأويله ، ولا دليل في العقل ، ولا في السمع على أن علياً عليه السلام وسائر الأئمة ، والفطناء ، وأهل الدِّريَة بالغَوْصِ على الدقائق لو اجتمعوا واجتهدوا في البحث عن وجوه التأويل ، لعَجَزُوا عن تأويله ، ولم تهتد إليه فكرهم الغَوَّاصة على الدقائق ، الماحية لخفيات المدارك البتة ، بل يعلم أنه لا يستحيل تأويله في علم الله على الصحيح . وقال الآخر : أنا أعتقد أنهم لو اجتمعوا كلهم أولهم وآخرهم ، ما قدَرُوا على تأويله البتة . فإنه لا يستحق أحدٌ منهما تكفيراً ولا تفسيقاً ولا تأثيماً ، لأن عقيدتهما واحدةٌ ، وإنما اختلفا في بعض ما خالف عقيدتهما : هل يمكن أحدٌ من