تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الحديث بتأويلٍ فيه تعسُّفٌ ، لم يقطع بردِّ الحديث لأنه يجوز أن القول بأن ذلك تأويله قولٌ باطلٌ ، وأن ذلك المتأوِّلَ إنما صار إليه لقصوره في العلم ، وإنما يحكم بردِّ الحديث متى علمنا أنه لا تأويل له صحيحٌ ، وأنه لا يدخل في مقدور أحدٍ من الراسخين أن يهتدي ( 1 ) إلى معنى لطيف في تأويله ، ولكن العلم بهذا صعب عزيز ، والدليل على صعوبته أن الناظر في الحديث لا يخلو إما أن يكون من الراسخين في العلم الذين قيل ( 2 ) : إنهم يعلمون التأويل أم لا . إن لم يكن منهم ، فليس له أن يحكم بقصورهم وعجزهم عن تأويله ، لأنه لم يرتق إلى معرفة التأويل الصحيح ، ومن لم يعرف الشيء وكيف يحكم بنفيه أو ثبوته ، وما أمَّنه أنه موجودٌ ، لكن لعدم معرفته له جَهِلَهُ ، وأما إن كان الناظر في الحديث من الراسخين ، فإنه أيضاً يجوز عليه أن يجهل التأويل . أما على قول أهل السنة - وهو الصحيح - فإن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه ، كما هو مقرَّرٌ في كتابي " ترجيح أساليب القرآن " ( 3 ) ، فإن هذه المسألة مجوّدةٌ فيه ، والحمد لله . وأما على القول الآخر ، فإنه يجوز أن الواحد منهم يجهل شيئاً ويعلمه غيره ، فإن الله تعالى إنما أثبت العلم بالتأويل لجميع الرسخين ، فأمَّا بعضهم ، فقد يجوز ألا يعلم التأويل متى عَلِمَه غيره منهم ، لأنه إذا علمه واحدٌ منهم ، لم يصدق أن الراسخين لا يعلمون ، فلا يجوز أنهم الجميع يجهلون التأويل ، لأنه حينئذ يكون مخالفاً لما أخبر الله به من علم الراسخين على أحد القولين ، فإن الآية على هذا القول تُثبت العلم بالتأويل لجميع الراسخين وجوباً ، ولأحدهم جوازاً ، لأن كل حكم يَثْبُتُ للجميع لا يجبُ للآحاد إلاَّ بدليلٍ ، ولهذا لما أمر الله باتباع سبيل المؤمنين لم يجب اتباع سبيل المؤمن الواحد ، أقصى ما فيه أنه يدلُّ على مشاركة الواحد للجميع ، لكن دلالة ظنية ، وهي غير نافعةٍ في هذا
هامش
( 1 ) " أن يهتدي " ساقطة من ( ش ) . ( 2 ) في ( ف ) : " يقولون " . ( 3 ) انظر ص 121 وما بعدها .