المسلمين - كالمعتزلة - يمنعونها ، ثم إن الرازي يقول بقدم الإرادة ، وقد ألزمته المعتزلة والفلاسفة قِدَمَ العالم بذلك ، فانفصل عنه بأن الإرادة تتعلق بالمراد في وقتٍ مخصوصٍ ، لا مطلقاً ، فلم يلزم وجوده إلاَّ في ذلك الوقت المخصوص ، وكذلك الجواب في الداعي .
وقد تبلَّد الرازي مع شدة ذكائه في جواب كلام الفلاسفة في هذه في أوائل " نهاية العقول " ، واضطر إلى التزام مذهب المعتزلة في أن الفاعل يُرجِّح أحد مقدوريه ( 1 ) من غير مُرَجِّحٍ ، وادعى الضرورة في الفرق بين الداعي والعلة ، ثم نقض ذلك كله في مسألة أفعال العباد ، وفعل في ترجيح مذهب الفلاسفة ما لا يخفى على متأمل ، ولولا خوف الإملال ، لنقلت ألفاظه في ذلك .
واعلم أن هذه المسألة من محارات العقول التي تحيَّر فيها جميع الفحول ، ولا مرجِعَ فيها إلاَّ إلى التسليم والمنقول ، ويأتي كلام ابن تيمية فيها في القول الثالث ، وبها يُعرف أنها محارةٌ لا محالة ، وأنه ليس فيها مع جميع النُّظَّار من العلم إلاَّ أَثاره ، كيف إلاَّ دلالة ( 2 ) .
الثانية : قال الرازي : يلزم في الغرض أن يكون فيه جلب نفعٍ أو دفعُ ضُرٍّ لله تعالى أو للغير ، فإذا كان للغير ، فإن كان في حصوله وعدمه على السواء بالنسبة إليه ، لزم أن لا يكون غرضاً له في حصوله ، وإن لم يكونا بالسواء بالنسبة إليه ، لزم أن ( 3 ) يكون مُحتاجا إلى ما له غرضٌ في حصوله .
فالجواب : أن انحصار الحكم في جلب النفع ودفع الضرر ممنوعٌ ، والاستناد فيه إلى مجرد قياس الخالق على المخلوقين ، وهو باطل وتسمية داعي الحكمة الذي هو عبارةٌ عن مجرد العلم برجحان الممكن غرضاً للغني عن كل شيءٍ قياسٍ في اللغة ، وفي أسماء الله تعالى وصفاته والقياس فيهما معاً ممنوعٌ .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : مقدوراته .
( 2 ) في ( ش ) : " كيف الأدلة " .
( 3 ) من قوله : " أن لا يكون " إلى هنا ، سقط من ( ش ) .