المكاشفة من كتاب العلم : إن من علم علوم المكاشفة : علم حكمة الله تعالى في خلق الدنيا والآخرة . انتهى بلفظه .
وصرح غير واحد من أهل السنة بذم أهل هذا القول من غلاة المتكلمين ، على أن غلاة المتكلمين من الأشعرية الذين صرحوا به ، وبالغوا في نصرته قد استشنعُوا ذلك ، وحاولوا الاعتذار عنه ، فقال الرازي : إنهم لا يخالفون في إدراك العقول قبح صفات النقص ، كالجهل والكذب ، وحسن صفات الكمال ، كالعلم والصدق ، وأن الله متصف بصفات الكمال ، ومنزه عن صفات النقص ، وإنما خالفوا بأنا ( 1 ) لا نعرف بمجرد العقل استحقاق فاعلها ما ورد به الشرع من الجزاء في الدنيا والآخرة .
وهذا حسنٌ جداً ، لكنه يناقضه كما سيأتي ، بل يلزمه ثبوت الحكمة في الأفعال كالأقوال سواء .
وكذلك ذكر الرازي أن فائدة العمل والتكليف مع سبق الأقدار ، وهي تعجيل البشرى للمؤمن والإنذار للكافر ، ويدل على قوله هذا قوله تعالى : { وما نرسل المرسلين إلاَّ مبشرين ومنذرين } [ الكهف : 56 ] . وكلامه هذا يدلُّ على ثبوت الحكمة ، وكذلك صرح بثبوتها في كلامه المقدم في الجبر والقدر الذي ذكره في " مفاتح الغيب " ، فإنه ذكر فيه أن هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى ، نظراً إلى قدرته ، وبحسب تعظيمه سبحانه نظراً إلى حكمته . إلى آخر كلامه في ذلك .
واعلم أنه لا فرق بين معرفة العقول أن الكذب صفة نقص يجب تنزيه الله عنها ، وبين معرفتها أن تعذيب الأنبياء والأولياء في يوم الجزاء بذنوب أعداء الله صفة نقص يجب تنزيه الله عنها ، وأن مَدْرَكَ قبح الأفعال والأقوال في العقول واحد ، ومن حاول الفرق بينهما ، فقد غالط وأبطل ، وإنما ألجأهم إلى الفرق
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " في أنا " .