ثم ذكر أن عموم الخلق عندهم في توفيق الله الشامل لهم ، وذلك بنصب الأدلة والإقدار على الاستدلال بإرسال الرسل ، وتسهيل الطرق ، { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل } [ النساء : 165 ] . إلى آخر كلامه .
قلت : واستشهاده بالآية يكفي في الرد عليه ، وكذا قوله ( 1 ) : إن عموم الخلق في توفيق الله إلى آخر كلامه ، فإن ذلك دليل الحكمة ، إذ لا يترجح أحد الممكنين بغير مرجِّح بالضرورة ، ولهم في هذا المذهب مقصدان :
أحدهما : أن المنافع والمضار ، وإن تفاوتت بالنظر إلى الخلق ، فهي غير متفاوتة بالنظر إلى الخالق ، فإذاً الترجيح بالنظر إليه محالٌ ، وذلك غاية الغنى وأتمه وأبلغه .
وثانيهما : قطع مادة الاعتراض لأفعال الله التي لا يُدْرَك بالعقول وجه الحكمة فيها .
وهذان مقصدان حسنان لولا ما أدَّيا إليه من القبائح ، وصادماه من قواطع النصوص الصريحة ( 2 ) بل ما خالفاه من الضرورة العقلية والضرورة الشرعية ، وقد كان اللائق ترك الاحتجاج على ذلك لجلائه ، ولكني رأيت الاغترار بكلامهم قد فشا في عوام أهل السنة ، وكاد مقصدهم فيه بالعبارات المموَّهة يخفى على بعض الخاصة ، فرأيت أن أقصد وجه الله تعالى ، فأتلو من آيات كتاب الله تعالى أكثر من مئة آيةٍ مما تقشعر الجلود لمخالفته ، وتخضع القلوب لجلالته من غير استقصاءٍ لذلك لكثرته ، والنصوص القرآنية في ذلك أنواع كثيرة ولله الحمد .
النوع الأول : ما جاء بأصرح صيغ التعليل مما يتعذر فيه التأويل مع مراعاة الحياء من التنزيل ، مثل ما ورد في تعليل خلق السماوات والأرض ، وفيه آيات كثيرة ، مثل قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( 38 ) مَا
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ش ) : " قولهم " ، وهو خطأ .
( 2 ) في ( أ ) و ( ف ) : " الصريح " ، وهو خطأ .