ففيه إشارةٌ إلى تجويز أن يكون موسى عليه السلام ممن مات أكثر من مرتين ، إذاً لم يُحاسب بالصعقة ( 1 ) ، وكانت تسمى موتة .
فإن قلت : كيف يجوز على العقلاء نسيان تلك الحياة الأولة ؟
فالجواب : أنه لا مانع من ذلك ، فإن الذكر والنسيان من أفعال الله تعالى بالإجماع ، وإنما اشترط بعض أهل الكلام أن لا ينسى العاقل الأمور العظيمة القريبة العهد ، لأن ذلك من علوم العقل التي ينبني عليها التكليف ، فهو عند بعضهم يُخِلُّ بالحكمة ، لا لأن الله تعالى غير قادر على أن يُنْسِيَها العبد ، والنسيان لما كان في الخلق الأول لا يخل بشيء في الحكمة ولا في القدرة ، وبخاصةٍ ومدة تلك الحياة قصيرةٌ إنما كانت قدر ما يتسع للسؤال والجواب على ما يفهم من سياق الأحاديث أو بعضها ، فصارت كالرؤيا التي جرت العادة بنسيان كثير منها ، وذكرها بعد نسيانها من شاء الله ، وإنما الباطل ما ذكره كثير من الفلاسفة أن النفس كانت قديمة أزلية مجردة ، ثم تعلقت بالبدن ، وهي لا تذكر ذلك بعد طوله ، والله سبحانه أعلم .
فإن قيل : إن الله سبحانه وتعالى قال : { وإذ أخذ ربُّك من بني آدم }
هامش
= قال الإمام ابن القيم في " الروح " ص 54 ، ونقله عنه ابن أبي العز الحنفي في " شرح العقيدة الطحاوية " 2 / 603 بتحقيقنا : لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا ، ومنه نشأ الإشكال ، ولكنه دخل على الراوي حديث في حديث ، فركب بين اللفظين ، فجاء هذا ، والحديثان هكذا :
أحدهما : " إن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق " .
والثاني : هكذا : " أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة . . . " .
فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر .
قلت : الحديث الأول رواه البخاري ( 2411 ) و ( 3408 ) و ( 6517 ) و ( 7428 ) ، ومسلم ( 2373 ) ( 160 ) ، وأبو داود ( 4671 ) ، والبغوي ( 4302 ) من حديث أبي هريرة .
والحديث الثاني تقدم تخريجه 1 / 176 - 177 .
( 1 ) من قوله : " ففيه إشارة " إلى هنا سقط من ( ش ) .