انقسامه إلى مَذُوقٍ وغير مذوق ، والاستثناء ( 1 ) من أحد القسمين - وهو المذوق - دون الآخر ، مع أن أهل الجنة لا يذوقونه في الجنة ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً .
وإنما سماها الموتة الأولى بالنظر إلى تقدمها لوقت الكلام ، لا بالنظر إلى أول موتة على الإطلاق ، كما يقول : الساعة الأولى ، ولا يعني بها أول ساعة ، بل ساعة قبلها ، وكذلك الصلاة الأولى ، يؤيده أنه لا يصح في العربية أن يقال : الأولى من كذا ، فكانت بمنزلة : زيدٌ الأفضل ، فإنه لا يتعين المفضل عليه إلا فيما ذكرت فيه " من " .
ولو سلمنا أنه ظاهرٌ في أول موتة ، فجائزٌ أن تكون الموتة الأولى في الجنة يوم خلق عالم الذر ، لأن آدم في ذلك العصر كان في الجنة قبل أن يذنب ويخرج منها ، ويكون الاستثناء على هذا متصلاً ، ولا يَرِدُ عليه أن الجنة التي كان فيها آدم غير جنة الخلد ، لأنه لا دليل على ذلك ، ويدل عليه ظاهر قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم } [ الأعراف : 11 ] .
فهذا يقتضي أن خروجهم على صور الذَّرِّ كان في الجنة ، لأن خروج آدم كان بعد لأمر بالسجود ، وقد جعله الله بعد تصوير الجميع ، والظاهر أن حياتهم لم تطل ، فهذا محتملٌ أيضاً ، ومنتهى ما فيه أن نقف في معنى هذا لاشتباهه ، ونقول بمعنى تلك الآيات لظهوره .
فأمَّا قولهم : إن الموتة الأولى ( 2 ) هي التي بعد الخلق ، وهي المعلومةُ للجميع ، والموتة الثانية التي تكون في القبر بعد الحياة فيه ، فليس بقوي ، لأن تلك الموتة التي في القبر مثل النوم ، لأنها متكررة كل يوم ، لقوله تعالى : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } [ غافر : 46 ] ولما ورد في الحديث من عرض مقاعدهم عليهم في الجنة أو النار كل يوم ( 3 ) ، ولما ورد في عذاب
هامش
( 1 ) في ( ش ) : والمستثنى .
( 2 ) " الأولى " ساقطة من ( أ ) .
( 3 ) روى مالك في " الموطأ " 1 / 239 ، ومن طريقه أحمد 2 / 113 ، والبخاري =