وكذلك قوله تعالى : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة } [ الأعراف : 29 - 30 ] .
وكذلك قوله تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُم } [ البقرة : 28 ] فإن الموت في الحقيقة لا يكون إلاَّ بعد حياة ، ولا يجوز حمل كتاب الله على المجاز في جميع هذه الآيات المتقدمة إلاَّ لضرورة تمنع من الظاهر ، ولا ضرورة في حق من هو على كل شيء قدير ، وهو بكل شيء بصير .
فإن قلت : قوله تعالى : { أمتنا اثنتين } [ غافر : 11 ] ينافي ذلك ، لأنه يؤدي إلى الإماتة ثلاث مرات .
قلنا : بل هو أحد الأدلة على ذلك ، فإن موتهم بعد ذلك الخلق الأول في عالم الذر هو الموتة الأولى ، وموتهم بعد هذا الخلق الثاني هو الموتة الثانية .
هذا هو الأظهر ويؤكده أن المرتبتين ( 1 ) مما يختص بالإقرار به أهل الحق ، بدليل قوله تعالى : { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين } [ الصافات : 58 - 59 ] ، وقوله تعالى : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيل } [ غافر : 11 ] .
فأما تسمية النطفة ميتةً مجازاً ، فلم يخالف فيه كافرٌ ولا مبتدع ، ولا ورد الشرع بوجوب اعتقاده ، ولا يسمى معتقده مؤمناً .
وأما قوله تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلاَّ الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] فمفهومٌ لا ينتهض لمعارضة المنطوقات متى سُلِّم أنه مفهومٌ صحيحٌ ، وليس بمسلَّمٍ ، لأنه استثناء من الموت المذوق ، وهو المؤلم ، وأحد الموتتين يمكن أنها كانت غير مؤلمةٍ ، كالنوم الذي سماه الله تعالى وفاةً في قوله : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } [ الزمر : 42 ] . ويدل على ذلك أنه لا يشترط في تسمية الموت أن يكون مذوقاً حقيقة أو مجازاً في اللغة ، فجاز
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " أهل المرتبتين " .