تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وهذا ( 1 ) الوجه الذي ذكره ، وهو ورودُ صيغة الأمر من غير طلب الفعل المحال هو الذي أراد من جوَّز تكليف ما لا يطاق منهم ، ولم يريدوا أن الله تعالى يريد به تنجيز وقوع ما لا يطاق في الخارج من العباد ، وقواعد مذهبهم تمنع إرادة المحال ، وذلك أنهم يعتقدون أن مرادات الله تعالى واقعة قطعاً ، فلا يصح أن يريد المحال ، لأن المحال لا يقع عندهم ، ولأن الإرادة عندهم لا يصح تعلُّقُها بالمحال ، بل لا تعلق من الممكن إلاَّ بالمتجدد كما مضى . ولكن المعتزلة لما كان مذهبهم أن الأمر والإرادة متلازمان ، ربما تَوَهَّمَ ذلك في خصومهم من ليس له تحقيق منهم في هذه المسألة . وعند الأشعرية أن الأمر غير متلازم للإرادة ، وقد تقدم تحقيقُ مذهبهم في ذلك في الكلام على الإرادة في مسألة الأفعال كما ذكر الشهرستاني ، وقد وَضَحَ أنهم أرادوا تكليف ما لا يطاق ما لا إرادة فيه لتنجيز وقوع المحال ، وهذا القدرُ هو القبيح عقلاً عند خصومهم ، ولكن ادَّعَوْا في أحكامٍ مخصوصةٍ لا إرادة فيها لذلك أنها تُسَمَّى تكليفاً وذلك في صورٍ : الأُولى : الحالة التي يُسمى العبد فيها عاصياً ومطيعاً ومعاقباً ومُثاباً ، وإن لم يتمكن من الانفكاك عن الفعل بسبب اختياره وتورطه لأجله فيما لا حيلة له فيه ، كالرامي لغيره إلى النار يَنْدَمُ ويتوب قبل وقوع المرمي فيها ( 2 ) ، ومثل من تَوَسَّطَ أرضاً مغصوبةً متعمداً ، فإنه بخروجه عاصٍ ، لا على أنه منهيٌّ عن الخروج كما تقدَّم تحقيقه في الفصل الذي ختمت به مسألة الأفعال ، فإنه مذهب أبي هاشم ومذهب غيره من المعتزلة ومن غيرهم . ومن هنا نُسِبَ تكليف ما لا يطاق إلى الأشعري ، وهو منه بريءٌ ، لكنه لما اعتقد أن اختيار المكلف لفعله يكون سبباً لخلق الله لفعله ، اعتقد أن الأفعالَ المخلوقة مسببات لاختيار العبد ، وأنه وإن لم يكن فيها مختاراً ، فقد فعل سببها ، فوقع باختياره أول الأمر فيما لا خيار له فيه ، فهو معاقب أو مثابٌ على
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " ومن " . ( 2 ) في ( ش ) : " به فيها " .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 235 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )