تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
قلت : ليس عذاب الآخرة منسوباً إلى الله تعالى من كل جهةٍ ، بل من جهةٍ دون جهةٍ ، كالكسب عند الأشعرية سواء ، فإنه منسوبٌ إلى العبد لكونه جزاء ذنوبه ، ومُتَفَرِّعاً عليها ومتولِّداً عنها ، فهو من العبد ظُلمٌ لنفسه وضَرٌّ لها ، ومن الله عدلٌ وحكمةٌ لا ظلمٌ ولا ضَرٌّ ، وذلك لقوله تعالى : { ذُوقُوا ما كُنْتُم تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 55 ] وفي آية : { ذُوقُوا ما كُنتُم تَكسِبُونَ } [ الزمر : 24 ] سمَّاه كسباً لهم وعملاً ، وقوله : { ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ليوم القيامة } [ الأنبياء : 47 ] وأمثالها ، ولقوله : { ومَا ظَلَمُونا ولَكِنْ كانوا أنْفُسَهم يظلمون } [ البقرة : 57 ] ، [ الأعراف : 160 ] . ولو كان العذاب من الله تعالى ضرّاً ( 1 ) محضاً من كلِّ وجهٍ لم يوصف بأنه كسبهم ، وأنه ظُلمٌ من العبد لنفسه ، ولا قال الله : { فَأخْرَجَهُما مِمَّا كانَا فِيهِ } [ البقرة : 36 ] ، ولا قال : { مَا أصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [ النساء : 79 ] ، ولا قال أيوب عليه السلام في عقوبة الله : { أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } [ ص : 41 ] . فالعدل فيه بَيِّنٌ ، حيث كان جزاءً وفاقاً وقع بعد ( 2 ) التمكين والتقدم بالإنذار والقطع للأعذار ، وإشهاد العدول والوزن بموازين الحق ، والحكمة فيه من حيث إن له تأويلاً لا يعلمه إلاَّ الله ، ولولا ما فيه من الحكمة الخفية التي اختصَّ بعلمها ربنا سبحانه وتعالى ما احتاج إلى التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله ، وتمامُ هذا مذكورٌ في مسألة الحكمة في الشُّرور ، والله الموفق . وحيث لم يصح أن الضَّرَّ في نفسه اسمٌ حَسَنٌ ( 3 ) ، كيف يدخل في الأسماء الحسنى ، وإنما معنى الأسماء الحسنى ما يفيد أحسن المدح الحَسَنِ ، والوصف الجميل الحميد اللاَّئِق بالمَلِكِ المجيد ، لأن الحسنى أحسن الأسماء لا حَسَنها ، ولهذا قال العلماء : لا يقال : يا ربَّ الكلاب والخنازير ، وإنما يقال :
هامش
( 1 ) " ضراً " سقطت من ( أ ) . ( 2 ) " بعد " سقطت من ( ش ) . ( 3 ) تحرفت في ( ش ) إلى : جنس .