تقدم في إنزال ( 1 ) الضر لدفع المعاصي لطفاً أو للعقوبة عليها .
وربما جاء القرآن الكريم بلفظ إرادة السوء ولا يجيء بغيرها ، لأنه يُشْتَقُّ لله منها اسم المريد كقوله تعالى : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ } [ الرعد : 11 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } [ الأحزاب : 17 ] ولم يقل : وإذا أساء إلى قوم ، ولا أساء إليكم لوجهين :
أحدهما : أنه لو قال ذلك ، لسُمِّي مُسِيئاً ، وذلك لا يجوز قطعاً ، إنما يسمى عادلاً حكيماً في جميع عقوباته .
وثانيهما : أن إرادة الله تعالى لم تُعلق إلاَّ بالسوء - بضم السين - الذي معناه هو المكروه في الطبيعة ، وهذا يسمى محسناً كيف مريد ؟
ولا أعلم شيئاً من الأول صريحاً إلاَّ ما يحتمل التأويل من قوله تعالى : { إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } [ الزمر : 38 ] وهذا يشبه قوله تعالى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] مع أن الجزاء حَسَنٌ لا سَيِّىءٌ ، لكن سمَّاه باسم السيئة الأولى على جهة المطابقة ، وهي أحد أنواع البديع .
وهذا لما سمَّاه ضُرّاً في أول الآية حيث وقع مراداً أضافه إلى نفسه بذلك الاسم المتقدم ، مع القطع بأنه بالنَّظَرِ إلى حكمته عدلٌ وحكمة ، وأن ما كان عدلاً وحكمةً لا يستحق أن يسمى ضراً حقيقة كما لا يُسَمَّى فِعلُ الطبيب بالمريض ضُرّاً .
وكذلك قوله تعالى في سورة الأنعام : { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 17 - 18 ] فيه صرفٌ لاسم الضُّرِّ عن الله حيث قال : { يَمْسَسْكَ بِضُرِّ } ، وفي آخر يونس مثلها ولم يقل : يَضُرُّكَ .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وإنزال ، وهو خطأ .