ولأن الإعانة في العُرْفِ إنما تكون على محبوب المعين دون المسخوط ، والمعاصي مسخوطةٌ غير محبوبةٍ لله تعالى ، كما مر تحقيقه في مسألة الإرادة .
أو لأنَّ الإعانة عبارةٌ مُوهِمةٌ للرضا والمحبة ، ولم يَرِدْ بها إذنٌ شرعي ، وخَلْقُ الله لمعصية العباد عند هؤلاء مثل خلق القدرة على المعصية عند المعتزلة ، لأن شرط التكليف التمكين ، والتمكين عند هذه الفرقة من الأشعرية لا يصح مع استقلال العبد حتى يشاركه الله في فعله ، فيكون فعلاً لفاعلين ، لكنه يُسَمَّى بالنظر إلى قدرة الله تعالى مخلوقاً ومفعولاً ، وبالنظر إلى قدرة العبد مفعولاً ومكسوباً ، كما ذكرناه في أول المسألة بالتمثيل بحمل الجبل .
وقريبٌ منه بالنظر إلى ما يُسَمَّى إعانة من المحبوبات لله سبحانه ، وما لا يُسمَى إعانةً من المكروهات له سبحانه ما فعله لعيسى صلوت الله عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكْمَه والأبْرَص ، وساغ نسبته إلى عيسى عليه السلام حيث قال : إني أخلُقُ وأُبرِىء ، مع قوله : بإذن الله ، فيُسَمَّى الله في مثل هذا مُعِيناً عليه ، ومُحِبّاً له ، وراضياً به .
وقد تُنسَبُ الطاعة والخير كله إلى الله تعالى وحده مبالغةً في تعظيمه وحمده عليه ، وتضعيف العبد وتقليل أثره كقوله تعالى : { لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } [ النور : 21 ] وقوله سبحانه : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } [ الأنفال : 17 ] وأمثال ذلك ، وذلك الذي ينبغي من العبد كقوله تعالى : { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ } [ الحجرات : 17 ] .
ولما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال [ فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ] " فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه " .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 18
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص١٨