ومن ذلك قوله تعالى : { فَإنْ قَاتَلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ } [ البقرة : 191 ] أمر بالقتل ، وهو غير مقدورٍ للعبد بغير إعانةٍ من الله ، وإنما يَقْدِرُ على الجرح دون إخراج الروح من البدن ، وأمثال ذلك كثيرٌ جداً .
وعن ابن عباس في قوله تعالى : { الآن خَفَّفَ الله عَنْكُمْ } [ الأنفال : 66 ] لما خفَّف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر . رواه البخاري ( 1 ) .
وفيه أنهم لو صبروا على ما أُمِرُوا به من قتال الواحد عَشَرة لطوِّقُوا ذلك ، وصبروا عليه .
وهو من أحسن الأمثلة الواقعة لمذهب هذه الطائفة ، فإن الواحد من المسلمين - ولو من أقواهم - لا يقدر على عشرةٍ من المشركين - ولو من أضعفهم - إلاَّ بإعانة الله تعالى مع ورود الأمر بذلك إجماعاً ونصّاً .
بل الواحد لا يقدر على الاثنين إلاَّ بإعانة الله كما قال : { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [ الأنفال : 66 ] ، لا يقال : ليس المراد الأمر بمغالبتهم ( 2 ) .
قلنا : إن أردتم في ( 3 ) المطابقة فمُسَلَّمٌ ، وإن أردتم في ( 3 ) الالتزام ، فممنوعٌ ، وإلا كان يستلزم الأمر بإلقاء النفس إلى التهلكة ، لأن إلقاء النفس من الشواهق لا يزيد على بروز رجل ضعيفٍ لعشرةٍ من أقوياء أعدائه ، وتجويز السلامة في الموضعين حاصلٌ ، والله سبحانه أعلم .
هامش
( 1 ) في " صحيحه " ( 4653 ) ، وتكملة الحديث بعد قوله " من الصبر " : بقدر ما خُفِّف عنهم . وأخرجه أبو داود ( 2646 ) ، والطبري في " جامع البيان " ( 16280 ) ، والنحاس في " ناسخه " ص 189 ، والبيهقي 9 / 76 .
( 2 ) في ( ش ) : بمغالبتكم ، وهو خطأ .
( 3 ) لفظة : ( في ) لم ترد في ( ش ) في الموضعين .