إلى ترك ما قُدِّر فعله منه ، ولا إلى فعل ما قدر تركه منه ، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله ( 1 ) : { وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } [ يوسف : 68 ] .
قال الزمخشري على اعتزاله : هو علمه أن الحذر لا يُغني عن القدر ( 2 ) .
فإن قيل : إنه يلزم من تفسير الجواب النبوي بهذا بطلان الاختيار ، وبطلان الجزاء .
قلنا : هو ممنوعٌ بالضرورة شرعاً ، فإن الله تعالى مختارٌ في أفعاله مع سبق القدر بها ، وممنوعٌ بضرورة العقل بما ( 3 ) علم ضرورة من استحسان العقلاء ( 4 ) للأمر والنهي ، والمدح والذم ، والعمل مع القدر ، والفرق الضروري بين حركة المختار وحركة المسحوب والمفلوج .
وتلخيص الكلام في ذلك قد مر في تفسير القدر ، وأن وجوب الأقدار ، وإمكان الأفعال غير متَّحِد المتعلق ، بل هو مفترق باعتبار الجهتين ، والله أعلم .
الوجه الثالث : أن وقوع الفعل تبعٌ للقدرة والداعي ، سواء حَكَمَ العقل بأنه مُفيدٌ أو ضارٌّ ، كوقوع المعصية من المسلم المعترف بأنها ضارة ، فإذاً لا معنى للسؤال عن الفوائد ، وإنما يسأل عنها من لا يعمل إلاَّ بما ( 5 ) هو مفيدٌ في معقوله ، وأما من يرتكب ما يعلم أنه يضُرُّ ، ويستيقن أنه يُوبِقُه في الدنيا والآخرة ، تارةً
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " في قوله تعالى " .
( 2 ) " الكشاف " 2 / 333 ، والعبارة فيه : هو علمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر .
( 3 ) في ( ف ) : " لما " .
( 4 ) في ( ف ) : " العقل " .
( 5 ) " بما " ساقطة من ( ف ) .