الغني الحميد يكفي داعياً إلى الفعل ، وباعثاً عليه ، ومصحِّحاً لوقوعه بالنظر إلى القدرة كما مضى في اعتبار الجهتين في تفسير القدر ، فخذه من هنالك .
ولم تَجْرِ عاداتُ الساداتِ في الدنيا بإعلام عبيدهم بفوائد أوامرهم ومشاركتهم لهم في تفاصيل أسرارهم ، وغايات مقاصدهم ، ولا نُسِبَ من طوى ذلك عن عبيده إلى العبث واللعب في أوامره ، فكيف يطرق ذلك عبيد السوء إلى ملك الملوك وأحكم الحاكمين ، وعلام الغيوب ، بسبب عدم مشاركته لهم ( 1 ) في سِرِّه المكنون في إبرازه ، وغاياته الحميدة في أفعاله وأحكامه ، وإلى هذا الإشارة بقوله ( 2 ) تعالى : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، وقوله : { ولا يُحِيطونَ بشيءٍ من عِلمِه إلاَّ بما شاء } [ البقرة : 255 ] ، وقوله : { إنِّي أعلم ما لا تعلمون } [ البقرة : 30 ] ، وقوله : { فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 74 ] وأمثالها .
وفي قوله عليه الصلاة والسلام : " اعملوا " مع هذا الوجه فائدةٌ لطيفة ، وهو أنه لم يأمر بالعمل ، وصدر جوابه عليهم ( 3 ) بأن " كلاًّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له " لم يبعد أن يتوهَّم بعضهم سقوط الوجوب الشرعي ، وبطلان الأوامر التي هي حجة الله على خلقه وثمرة إرساله رسله صلوات الله عليهم ، كما تقدم في الآيات المذكورة في الوجه الأول .
وأمَّا الأسلوب الجدلي : فهو أن العمل مطلوبٌ مقدَّرٌ ، كما أن المطلوب به - وهو الجزاء - مرادٌ مقدَّرٌ ، والمقدَّرات كلها مقطوعٌ بوقوعها على وجوهها التي يقع عليها على التفصيل ، سواء أكانت المقدرات مطلوبةً في البداية من العبيد بالأمر ، كأفعالهم الاختيارية في الدنيا ، أو مرادةً في النهاية للرب سبحانه جزاء
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " مشاركتهم له " .
( 2 ) في ( ف ) : " بنحو قوله " .
( 3 ) " عليهم " ساقطة من ( ف ) .