أنه يحصل بعد النظر في ذلك علمان ضروريَّانِ عقلي وسمعي .
أما العقليُّ : فمثاله : عِلْمُنا أن الزجاج ينكسر بالحديد ، ولعل الواحد منا ما كسر زجاجة واحدة ، وكذلك جميع العاديات ، لأنا نعلم أنه لا تأثير في ذلك لاختلاف الأزمان والبلدان والقادرين منا ، ومن ثم قال الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه : { أعلمُ أنَّ الله على كُلِّ شيءٍ قديرٌ } [ البقرة : 259 ] .
وأما السمعي : فقد اتفق العقلاء على أنه يُفهم من مقصود المتكلم ما لم ينطق ، كما يفهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم أذاهما وانتهارهما ، والذي يَحْسِمُ مادة النزاع في هذا بين المسلمين أن إجماعهم منعقد ، والعلم الضروري من دينهم أنه يجب الجزم بقدرة الرب تعالى على كل شيء على العموم ، ولا يقال : يخرج من ذلك المحال ، لأنه ليس بشيء ، فلم يدخل في العموم حتى يخرُجَ منه ، وأن الاحتجاج بهذا العموم على الجزئيات التي لا نصَّ فيها على قدرة الله تعالى عليها بأعيانها احتجاجٌ صحيح ، والدليل القاطع على هذا من العقل أن البنية التي تقبل اللطف ، والبنية التي لا تقبل عارضتان غير ذاتيتين ( 1 ) عقلا وسمعاً وإجماعاً ، ولا نزاع في قدرة الله تعالى على تغيير ما هو خلقه من الأمور العارضة الممكنة .
والعجب من المعتزلة أنهم بالغوا في الاعتذار للرب عزَّ وجلَّ حتى أقاموا العذر للعبد ، فإن الله تعالى متى خلق العبد على بنية يعجز الرب عن هدايته معها ، فإن العبد يكون أعجز عن هداية نفسه مع ذلك بالنظر إلى الدواعي ، وهذا يناقض أصل مذهبهم في إزاحة الأعذار ، وتقبيح خلق المفاسد ، فلا أعظم مفسدةً من إيجاد بنية لا تدخل في مقدور الربِّ ، ولا في معلوم اللطف لها على زعمهم ( 2 ) ، وإن كان ( 3 ) الحق بطلان زعمهم لقوله : { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [ الروم : 30 ] .
هامش
( 1 ) في الأصلين : ذاتيين .
( 2 ) في ( ش ) : لها فإنها .
( 3 ) ساقطة من ( ش ) .