وثانيهما : أن العلوم العاديَّات مسلمةٌ بالنظر إلى عادتنا وقدرتنا ، فإحياء الجماد ، وإحياء الموتى في المعاد محال في العقل كما قالوا ، ولكن بالنظر إلى قدرتتا وعادتنا ، وكذلك عامة ( 1 ) ما يفارق الرب به تعالى عبيده من إيجاد المعدوم من غير شيءٍ ، ولذلك أنكرته المعتزلة ، وقالت : إن تذويت الذوات مُحال ، وكذلك الفعل من غير آلة أنكرته الفلاسفة وبعض القدرية ( 2 ) .
وإنما غَلِطُوا في ذلك ، لأنهم نقلوا العلم الضروري الحق المتعلق بعجزنا عن هذه الأشياء إلى الربِّ تعالى ، ووجه غَلَطهم أنهم حَسِبُوا أن ذلك محالٌ لنفسه لا لعجزنا خصوصاً عنه . فافهم هذا واعتبره ، فإنه نافع جداً ، وقد كفر لأجله خلائق من المشركين ، وضل لأجله خلائق من المسلمين .
الوجه الثالث : أن البرهان القاطع دل على نقيض مذهبهم ، وهو أنا نعلم يقيناً لُطفاً معلوماً مقدوراً لله تعالى لو فعله ، لآمن الناس أجمعون اختياراً من غير إكراهٍ ، ولنذكر على ذلك أدلةً .
الأول : أن الله سبحانه قادر على أن يخلق العصاة على بِنيةٍ قابلة للألطاف مثل بنية الملائكة والأنبياء ، سواء قلنا : إن بنيتهم التي خُلِقُوا عليها قابلة للألطاف ، كقول أهل السنة ، أو غير قابلة كقول المعتزلة .
ذكر هذا الوجه ابن الملاحمي ( 3 ) في كتابه " الفائق " وهو أحد أئمة المعتزلة ، على رأي أبي الحسين ، وهو وجهٌ صحيح معلومٌ من الدين ، قال الله تعالى : { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ } [ الزخرف : 60 ] ، ولا
هامش
( 1 ) ساقطة من ( أ ) .
( 2 ) في ( ش ) : ولذلك أنكرته المشبهة وكذا علم الغيب من غير سبب ، وكذلك أنكرته بعض القدرية .
( 3 ) وقال : ذكره أحمد بن يحيى المرتضى في " المنية والأمل " ص 71 في تلامذة أبي الحسين البصري ، فقال : الشيخ النحرير محمود بن الملاحمي .