شك أن بنية الملائكة تخالِفُ بنية الإنس ( 1 ) ، فإنهم لا يأكلون ولا يشربون ، ولا يفتُرُون من العبادة ، فمن قدر على تحويل بنية البشر إلى بنية الملائكة ، فهو على تحويل بنية بشر إلى بنية بشرٍ مثله أقدرُ ، بل في كتاب الله تعالى ما يدُلُّ على قدرة الله سبحانه على ذلك دِلالةً خاصة مع بقاء بنيتهم ، وإلا فهو معلومٌ ضرورة من الدين ، وذلك مثل قوله تعالى : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم } [ الممتحنة : 7 ] ، وإليه إلإشارة بقوله : { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم } وقد اعترف الخصم بهذا المعنى في تفسيره ، فقال : ومعنى { والله قديرٌ } على تقليب القلوب ، وذلك هو المراد .
وقد قال الله تعالى في خطاب من شك في قدرته على أبعدَ من ذلك في العقل وأصعب : { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ( 50 ) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الإسراء : 50 - 51 ] ، وما أدلَّ ( 2 ) قوله : { أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } على تعميم قدرته تعالى على تغيير كل بنية إلى ما يخالفها . وقد صح في الحديث " أن الله يقلب القلوب كيف شاء " ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يا مقلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك " ( 3 ) وقد تقدم الكلام عليه وقد حكى الله عن الراسخين قالوا : { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } [ آل عمران : 8 ] .
وجاء هذا في كلام الله تعالى بعباراتٍ مختلفة :
منها قوله تعالى : { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ الحجرات : 7 - 8 ] .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : البشر .
( 2 ) في ( ش ) : " دل " ، وهو خطأ .
( 3 ) تقدم تخريجه في 2 / 271 - 272 .