أيضاً ما لم ( 1 ) يعلم الله سبحانه ما يُلجىء المكلف إلى الطاعة ، وهذا يبطل تأويلهم آيات المشيئة على الإكراه ، ولا يبعد أنهم يلتزمون هذا عقلاً ، ولكنهم يُقرون بأن السمع دلَّ على قدرة الله تعالى على هداية العصاة كرهاً .
والجواب عليهم منعُ ما ذكروه من قصر دلالة السمع على ذلك ، فإن دِلالة السمع وردت بكمال قدرته على ما يشاء عموماً ، ثم على هداية الخلق أجمعين خصوصاً .
وعلى الجملة ، فإن أحسن ما يُدفعون به تذكيرهم أن هذا معلوم بالضرورة من الدين ، ومعارضة قولهم بما يُشبهه من أقوال المبطلين بإجماع المسلمين ، فما أجابوا به فهو جوابنا .
مثالُ ذلك : أن يقال لهم : ما الفرق بين قولكم وبين قول جماعة من الفلاسفةٍ : إنه ليس في مقدور الله تعالى أحسن من هذا العالم ، لأن الكريم يبادرُ بأحسن ما في مقدوره من الخير ، وليس في هذا تعجيزٌ لله تعالى ، لأنه ليس في ( 2 ) معلومه تعالى أحسن منه ، وما ليس في معلومه ، لم تصح القدرة عليه .
فهذه الحيلة على تعجيز الربِّ عن خلق أحسن من هذا العالم مثل حيلة المعتزلة على تعجيزه سبحانه عن اللُّطف بالعصاة ، بل هي هي ، وقد قاربت المعتزلة مقالة الفلاسفة هذه .
وأما البغدادية من المعتزلة ، فإذا تأمَّلْت مذهبهم لم تجدْهُ يخالف قول هذه الطائفة من الفلاسفة إلاَّ في العبارة ، أو فيما يلزمهم الموافقة فيه مع اشتغالهم بتأويل السمع على وَفْقِ قولهم ، وذلك أن مذهبهم أن الأصلح للخلق في دينهم ودنياهم وآخرتهم واجبٌ على الله تعالى ، وكل ما لم يفعله الله تعالى من مصالح الخلق في الدنيا والآخرة ، فليس في معلومه سبحانه ما هو أصلح منه لهم ، حتى
هامش
( 1 ) في ( ش ) : متى لم .
( 2 ) في ( أ ) : ما في .