وما أحسَنَ الاحتجاج على حُسنِ هذا الأدب بقوله تعالى : { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } [ آل عمران : 66 ] ، فهذا أمر علماء الحديث غير مدعين له ، ولا راغبين فيه ( 1 ) ، والذي ذكره المحدث هو الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتبه إلى الخصوم ، ومحاوراته للكفار ، أو قريبٌ منه ، وإنما العلماء ورثة الأنبياء ، وعلى الوارث أن يحفظ تراث الموروث ، وأيُّ عار على قومٍ لو حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكانوا أشبه الخلق به وبأصحابه هدياً وعِلْماً ، وفهماً وحُكماً .
وكذلك هم أعلمُ الطوائف بأحواله - صلى الله عليه وسلم - الضرورية ، وأحوال أصحابه لشدة عنايتهم بمعرفة ذلك ، وقطع أعمارهم فيه ، وهذه ( 2 ) النكتة النفيسة في التضلع من علم الآثار والإمامة فيه ، وبها يسلَمُ المُحدِّثُ من أمرين خطيرين ( 3 ) جليين .
أحدهما : جحد المعلوم من الدين ضرورة ، والشك فيه .
وثانيهما : اعتقاد ما ليس بضروري من الدين ضرورياً ، كما هو عادة كلِّ فرقةٍ من المبتدعة ، فإن كل طائفة منهم قد تَلَقَّوا عن أشياخهم ، وأهلِ بلدهم أموراً نسبها خلفُهم عن سلفهم إلى الدين ، وهم عدد كثير ، فاعتقدوا أنها ضرورية منه ( 4 ) ، ولو كان مثل هذا يوجب الضرورة ، تعارضت الضرورات لثبوت مثله في كل بدعة ، فتأمل ذلك ، فإنه نفيسٌ جداً .
هامش
( 1 ) سقطت من ( أ ) .
( 2 ) في ( ش ) : " فهذه " ، وفي ( ج ) : " وهذه هي " .
( 3 ) في ( ش ) و ( ج ) : " خطرين " ، وفي ( ش ) : " جليلين " مكان " جليين " .
( 4 ) ساقطة من ( ش ) .