وكذلك قد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - دِحيةَ بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب ليس فيه براهين ، ولا جدل ، وإنما فيه : " أسلم تسلم ، وإن لم تسلم ، كان عليك إثمُ الأريسيّين " ، وفيه : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا } [ آل عمران : 64 ] الآية ( 1 ) ، مع توجيه هذا الرسول بهذا الكتاب إلى أئمة المنطق والبرهان ، ولم يُعَلِّم رسوله ما يُجادِلُهُمْ به ، ولا لقَّنَهُ أي شيء يُجيبُ به عليهم ، فهو مثل المحدث الذي زعموا أن هارون أرسله إن صح ذلك ( 2 ) .
وكذلك سائر ( 3 ) رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه بَعَثَ إلى النجاشيِّ ( 4 ) وإلى
هامش
= 203 و 5 / 390 - 292 في خبر مطول من حديث أم سلمة ، وفيه : كان الذي يُكلمه منهم جعفر بن أبي طالب ، فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتُم دينَ قومكم ، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية ، فما هذا الدين ؟ فقال جعفر : أيها الملك ، كنا قوماً على الشرك ، نعبدُ الأوثان ، ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ونستحلُّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحلُّ شيئاً ولا نحرمه ، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا ، نعرِفُ وفاءَه وصِدْقَه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبُدَ الله وحده ، لا شريك له ، ونصِلُ الرحم ، ونُحْسِنُ الجوار ، ونصلي ، ونصوم ، ولا نعبدُ غيره ، فقال : هل معك شيءٌ ممَّا جاء به ؟ وقد دعا أساقفته ، فأمرهم ، فنشروا المصاحف حوله ، فقال له جعفر : نعم ، قال : هلم ، فَاتْلُ عليَّ ما جاء به ، فقرأ عليه صدراً من كهيعص ، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم .
ورواه البيهقي في " الدلائل " 2 / 299 - 300 من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى . وقال : وهذا إسناد صحيح .
وفي الباب عن ابن مسعود عند الطيالسي ( 346 ) ، والبيهقي في " الدلائل " 2 / 297 - 298 .
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 ) و ( 2941 ) و ( 4553 ) ، ومسلم ( 1773 ) ، وأحمد
1 / 262 ، والبيهقي في " الدلائل " 4 / 377 - 380 من طرق عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس .
( 2 ) في الحكاية التي نقلها قريباً ، ووصفها بأنها باردة .
( 3 ) ساقطة من ( د ) .
( 4 ) أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " ص 210 ، ومن طريقه الحاكم في " المستدرك " =