وهذا ما تشير له الفقرة الثالثة من كلامها عليها السلام «الممتنع من الأوهام كيفيته». وقد يؤيد هذا الكلام ما نقله في البحار عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله «كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم.. ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فان ذلك كمالها ويتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما»[153].
وبهذه الكلمات فالزهراء عليها السلام تنفي إمكانية الرؤية العيانية لله تعالى في الدنيا أو الآخرة، يقظة أو مناما، بل تنفي كل نوع من أنواع الاحاطة اللفظية بالتوصيف أو الوهمية بتشكيل الصور.
وبالتالي فإن ما جاء في كتب بعض المسلمين من أن الله يُرى يوم القيامة وأنه يكشف عن ساقه! ليتعرف عليه المؤمنون، ولا أعلم لماذا الساق فهل رأيت أحدا يُعرف من ساقه؟ وأنهم عندما ينكرونه يكشف عنها فيخرون سجدا.. إلى آخر ما قيل[154]، لا يمكن قبوله مع تصريح سيدة النساء بخلافه، والملفت للنظر أن أحدا من الحاضرين الذين خطبت فيهم وهم جمهور المهاجرين والأنصار لم يعترض عليها في ذلك!.
وهذا النمط من الحديث والفكر هو أحد الأدلة التي تثبت صحة انتساب هذه الخطبة للسيدة فاطمة وإلا فمن يستطيع أن يتكلم بهذا النحو من الدقة والعمق؟.
ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها وصورها بلا احتذاء أمثلة إمتثلها:
ثم تقول ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها، وقد ورد هذا التعبير في كلام أمير المؤمنين[155] والإمام الرضا عليهما السلام، فلم يكن هناك شيء يحتاجه ربنا ليخلق منه الأشياء وإلا لكان ذلك الشيء قديما مع الخالق!، لاحظوا أيها الأحبة أن صنع الإنسان رهين ثلاثة أمور:
الأول: الغاية والسبب.
الثاني: المادة.
الثالث: المثال.
هامش
153 المجلسي، بحار الأنوار٦٦/ ٢٩٥/ ولم أجده في مصدر من المصادر الحديثية الأساسية.
154 الألباني، ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ٢/١٢٦: أنهم سألوا رسول الله ﷺ: هل نرى ربنا عز وجل يوم القيامة؟ قال: «هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم لا تضامون في رؤية أحدهما. فإذا كان يوم القيامة نودي ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد شيئا إلا تبعه، حتى لا يبقى إلا المؤمنون، فيأتيهم الله عز وجل» فيقول: «أنا ربكم» فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا. فيقول: «هل بينكم وبينه آية؟» فيقولون: نعم. «يكشف عن ساق»، فلا يبقى أحد ممن كان يعبد الله عز وجل إلا خر له ساجدا». أقول: فيه ما سبق ذكره من استحالة الرؤية وأنه ماذا يعني أن تكون علامة الله التي يعرفها عباده هي ساقه؟ فمتى رأوها في السابق حتى إذا رأوها في القيامة يميزونها؟ وكيف يأتيهم الله؟ هل يكون في مكان فيخلو منه سائر الأمكنة؟
155 الصدوق ابن بابويه، التوحيد، ص 41: الحمد للّه الواحد الأحد الصّمد المتفرد الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان.