نحن منا التضحية فمنا حمزة عليه السلام ومنا جعفر وبقية هذه الأسرة الطبية، وجروح أمير المؤمنين التي لا تحصى خير دليل على ذلك.
في الطرف المقابل «تتوكفون الأخبار – أي تسألون ماذا حصل ماهي الأخبار هل انتصر جيش المسلمين أو انهزم – وتنكصون عند النزال وتفرون من القتال – كما حصل في معركة حنين حيث انهزم بعضهم هزيمة صلعاء تذكر إلى يومنا هذا».
احتجاجها على الخليفة الأول:
تنتقل الزهراء عليها السلام بعد هذا بالاحتجاج على الخليفة الأول بالقرآن وتقول«أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا}، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ اذْ يَقُولُ:{وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وَقالَ فيمَا اخْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}».
هكذا بدأت تتلوا الآيات على الخليفة وعلى الجهاز الحاكم وتضيق عليه وإذا قام بالرد عليها، تقول عليها السلام «أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ هَلْ تَقُولونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ، أوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟! - إلا إذا وصل بكم الأمر أن تخرجوني عن ملة الإسلام - أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟ فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً، تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ يخسَرُ المبطلون- فيوم القيامة هناك نتقابل ولا ينفع هناك حرق الدار أو السيف أو.. أو..، هناك فقط عدل الله عز وجل ليس إلا - وَلا يَنْفَعُكُمْ إذْ تَنْدَمُونَ، {وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}[117] {مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ}»[118].
استنهاض المهاجرين والأنصار للنصرة:
ثم عطفت على الحاضرين تستنهضهم مرة أخرى: فقالت «يا مَعاشِرَ الْفِتْيَةِ، وَأَعْضادَ الْمِلَّةِ، وَأنْصارَ الْإسلام، ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي؟ وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟ - السِنة معناها بدايات النوم - أما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله أبِي يَقُولُ: اَلْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ سَرْعانَ ما أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذا إهالَةً، وَلَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلى ما أَطْلُبُ وَاُزاوِلُ».
وهكذا ظلت تقرع الموقف المتخاذل من الأنصار تقريعا بعد تقريع، أقول ولعل هذا مما جعل موقف الأنصار على مدى التأريخ أنهم يشعرون بالندم وأنهم لم يقوموا بواجبهم تجاه أهل البيت عليهم السلام فكانت مواقفهم بعد ذلك إجمالا أفضل من غيرهم، فربما هذا الكلام لم يؤثر فيهم في نفس الوقت ولكنه ظل يجري في نفوس الأنصار وأبنائهم في المستقبل إلى أن غيّروا مواقفهم.
هامش
117 سورة الأنعام: آية 67
118 سورة هود: آية 39