9/ علاقة زوجات النبي بفاطمة عليها السلام :
لم تكن علاقة زوجات النبي صلى الله عليه وآله بابنته فاطمة على نسق واحد وهذا أمر طبيعي، فإن لذلك ارتباطًا بعوامل متعددة، منها الموقف من أمها خديجة، ومنها قضية الغيرة من محبة النبي لفاطمة محبة استثنائية، بل وما هو مهم موقف تلك النساء من موضوع خلافة النبي صلى الله عليه وآله ومنها غير ذلك.. وكان من الطبيعي حتى لو تم التغاضي والمجاملة في الجانبين الأولين ألّا يتم ذلك في الجانب الأخير.
بل يستفاد من الروايات وتشير إليه الوقائع التاريخية «أنّ نساءَ رسولِ الله كُنَّ حِزْبَيْنِ، فحِزْبٌ فيه عائشةُ وحفصةُ وصفيةُ وسَودَةُ، والحِزْبُ الآخرُ أمُّ سَلَمَة وسائرُ نساءِ رسولِ الله»[37].
والذي تفيده الروايات أن علاقة أم سلمة[38] التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وآله في شوال سنة 3 للهجرة، مع فاطمة كانت علاقة إيجابية متميزة، فنحن نجد أنها كانت تتحدث عن أن النبي قد دفع لها فاطمة حتى «تؤدبها وتعلمها»[39] فإذا بها تراها أعلم منها بالأمور وأكثر أدبًا!
هامش
37 البخاري؛ محمد بن إسماعيل (ت 256): صحيح البخاري٣/١٣٢ روى ذلك عن أم المؤمنين عائشة كما نقله عبد الحق الأشبيلي (ت ٥٨١) في الجمع بين الصحيحين٣/٥٧٢.أقول: نعتقد أن صفية لم تكن في هذا الحزب الأول وأن علاقتها به لم تكن بشكل تحسب عليهن، فقد روي كما في المعجم الكبير للطبراني ٢٤/٧٥ وشرح سنن أبي داود لابن رسلان ١٨/٩١ أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على صفية وهي تبكي، فقال لها: «ما يبكيكِ؟» قالت: بلغني أن عائشة وحفصة ينالان مني ويقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عم النبي صلى الله عليه وآله وأزواجه. فقال: «ألا قلت لهن: كيف تكن خيرًا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وآله». وهذا الحديث منقول في مصادر أخرى بصيغة أشد «ان النساء يعيرنني ويقولون يهودية بنت يهوديين» ومثل هذه الحادثة لا تنم عن وجود علاقة ايجابية، وفي مصادر الامامية ما يشير إلى أن النبي أوصى بأن ترجع بعده إلى أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام، ففي الأمالي للشيخ المفيد 271، وأمالي الشيخ الطوسي ص ٦٤ في حديث.. قال: فجاءت صفية بنت حيي بن أخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله، إني لست كأحد من نسائك، قتلت الأب والأخ والعم، فإن حدث بك شيء فإلى من؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: إلى هذا - وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام -.
38 وعموما فإن مواقف أم سلمة من خط أهل البيت ومن الإمام علي عليه السلام وأبنائه كانت إيجابية جدا ويظهر ذلك من الكثير من رواياتها في فضائلهم ومناقبهم وممارساتها العملية، ولتفصيل المطلب يمكن مراجعة فصل أم سلمة في كتابنا اعلام من الاسرة النبوية.
39 الطبري (الشيعي)؛ محمد بن جرير: دلائل الإمامة / 81؛ فيه عن ابن عباس... فقالت أم سلمة: تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وآله وفوّض أمر ابنته إليّ؛ فكنت أؤدّبها وأدلّها. وكانت والله آدب مني وأعرف بالأشياء كلها..
وبغض النظر عن سند الرواية فإنه ربما يستشكل فيها بأن النبي مع معرفته بأن فاطمة هي سيدة نساء العالمين كيف يفوض أمر تهذيبها وتأديبها إلى من هي دونها في المنزلة؟ وقد يجاب عن ذلك بأن أمر الآداب يختلف عن الأخلاق بأن الآداب ترتبط غالبًا بالأعراف الاجتماعية بخلاف الأخلاق التي لها نحو ثبات واستقرار، فالآداب في المدينة قد تكون مختلفة عنها في مكة، بينما لا يختلف صدق الحديث في حسنه بين منطقة وأخرى! وإذا لم يقبل هذا الجواب فقد يجاب بنحو آخر وهو أن ذلك من أجل إظهار فضل فاطمة على لسان أم سلمة! فلولا أن النبي فعل ذلك ورأته أم سلمة لما تكلمت وشهدت لها بأن فاطمة «والله آدب مني وأعرف بالأشياء كلها» على طريقة {وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ}. وهناك ملاحظة أخرى في الحديث وهي أن أم سلمة لم تصبح زوجة للنبي إلا في السنة الثالثة من الهجرة (كما في تاريخ الطبري أو الرابعة كما هو المشهور) بينما تزوجت فاطمة قبلها في السنة الثانية للهجرة.. وحينها كانت فاطمة قد ولدت الإمام الحسن عليه السلام (سنة 3 ه) بل الإمام الحسين عليه السلام سنة 4 ه.. فكيف دفعها إليها لتؤدبها؟ إذ من الطبيعي أن تدفع الفتاة للمربية قبل الزواج لتتعلم شؤونه دون ما إذا كان الأمر بعد زواجها بسنة وبعد إنجاب طفلها.. إلا أنه يمكن تجاوز الموضوع التاريخي (زواج النبي بأم سلمة بعد زواج فاطمة بسنتين) بأن يقال بأن أم سلمة لما كانت ابنة عمة النبي (لأن أمها عاتكة بنت عبد المطلب على القول المشهور وزوجها السابق هو ابن عمة رسول الله ورضيعه وأمه برة بنت عبد المطلب كما في تاريخ الطبري، ج ٢/ ٤١٤) فإن علقتها بالأسرة النبوية كانت قبل تاريخ زواجها بالنبي.. والله العالم.