حائراً أمام الأمر الإلهي في أن يبلّغ وأن يركّز إمامة عليِّ بن أبي طالب ، حتّى جاء ما جاء إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله ) من إنذاره بأن يُبلّغ ، وإلّا فكأنّه لم يبلّغ الرسالة « 1 » .
يعني : كان مستوى الخطر في نظر النبي ( صلّى الله عليه وآله ) يصل إلى درجة هدر « 2 » شخصيّته ، شخصيّة الرائد الأوّل وصاحب الرسالة ، أي : إنّ الانحراف كان على سبيل المنعة . هذه الموانع التي كانت تمنع عن تزعّم عليٍّ ( عليه السلام ) للتجربة الإسلاميّة عميقةٌ قويّةٌ واسعة ؛ بدرجة أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) نفسَه كان يخشى من أن يُعلن عن تشريع هذا الحكم ، ليس عن تطبيقه بحسب الخارج ، بل عن تشريعه وإعلانه أمام المسلمين تجاه هذه الموانع .
هذه قصّة .
2 - وقصّة أخرى حينما أراد أن يسجّل هذا الحكم ؛ حين أراد أن يسجّله في كتاب :
المسلمون ، لأوّل مرّة في تاريخ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) - هذا النبيُّ الذي كانوا يتسابقون إلى الماء الذي يتقاطر من وضوئه ، هذا النبيُّ الذي ذهب رسول قريش إلى قريش يقول لهم : إنّي رأيت كسرى وقيصر وملوك الأرض ، فما رأيت رجلًا انجذب إليه جماعته وأصحابه ويؤمنون به كما ذاب أصحابُ محمّدٍ في محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، ولا يشعرون بوجودهم أمام هذا الرجل العظيم « 3 » . . وبالرغم من كلّ هذا ، وفي مجلسه ( صلّى الله عليه وآله ) - يقوم واحدٌ من أصحابه فيقول ما يقول
هامش
( 1 ) وهو قوله تعالى :يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُالمائدة : 67 .
( 2 ) كذا في ( م ) ، وفي ( غ ) : « تهدّد » ، والعبارة غير مثبتة في ( ف ) .
( 3 ) « ركب عروة بن مسعود حتّى أتى قريشاً فقال : يا قوم ! إنّي قد وفدت على الملوك ، على كسرى وهرقل والنجاشي ، وإنّي والله ما رأيت ملكاً قطّ أطوع في من هو بين ظهرانيه من محمّد في أصحابه . والله ما يشدّون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت ، وما يكفيه إلّا أن يشير إلى أمر فيُفعَل ، وما يتنخّم وما يبصق إلّا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده ، وما يتوضّأ إلّا ازدحموا عليه أيّهم يظفر منه بشيء » المغازي 598 : 2 .