لحظة الانتصار هذه لم تزعزع من خُلقه ، من وضعه ، لم تخلق فيه نشوة الانتصار ، وإنّما خلقت فيه ذُلّ العبوديّة ، شعر بذلّ العبوديّة أكثر ممّا شعر بنشوة الانتصار « 1 » . هذا هو الذي يمثّل الوعي العظيم ، لكنّ المسلمين عاشوا نشوة الانتصار « 2 » .
في لحظاتٍ عديدة ، لحظات الصدمة ، لحظات المشكلة ، لحظات المأساة ، الواعي يبقى صامداً أمام المشكلة لا يتزعزع ، لا يلين ولا يتراخى ، يبقى على خطّه واضحاً .
النبي ( صلّى الله عليه وآله ) لم يكن يبدو عليه أيُّ فرقٍ بينه وهو داخلٌ مكّةَ فاتحاً ، وبينه وهو مطرود في الحجاز من قبائل العرب المشركين . يتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى يقول له :
« لا يهمّني ما يصنع هؤلاء إذا كنت راضيا عنّي » « 3 » .
نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه ، في لحظة مواجهته البشريّةَ التي تحمل ألوان الشرور ، في لحظة تمرّد الإنسان على هذا الوجه الذي « 4 » جاء ليُصلحه . لم تتبدّل حالته هذه اللحظة وبين حالته والإنسانيّة تستجيب « 5 » ، والإنسانيّة تخضع ، والإنسانيّة تُطأطئ رأسها بين يديه ، بين يدي القائد العظيم ( صلّى الله عليه وآله ) .
هامش
( 1 ) « دخل رسول الله [ ( صلّى الله عليه وآله ) ] يومئذٍ وعليه عمامة سوداء ، ورايته سوداء ، ولواؤه أسود ، حتّى وقف بذي طوى وتوسّط النّاس ، وإنّ عثنونه [ / لحيته ] ليمسّ واسطة الرّحل أو يقرب منه تواضعا لله تعالى حين رأى ما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين ، ثمّ قال : العيش عيش الآخرة » المغازي 824 : 2 .
( 2 ) « وأعطى رسول الله [ ( صلّى الله عليه وآله ) ] رايته سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة ، فلمّا مرّ سعد براية النبي [ ( صلّى الله عليه وآله ) ] نادى : يا أبا سفيان ! اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلّ الحرمة ، اليوم أذلّ الله قريشاً » المغازي 2 : 821 .
( 3 ) « اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ! أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهّمنى ؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي » السيرة النبويّة ( ابن هشام ) 420 : 1 .
( 4 ) كذا في ( ف ) و ( غ ) ، وفي ( م ) : « هذا الذي » .
( 5 ) المراد : « لم تتبدّل حالته بين هذه اللحظة وبين اللحظة التي كانت فيها الإنسانيّة تستجيب » .