المدينة ولا الحرمين ولا مجموع المجتهدين ولا أهل المصرين ، فتخصيص غير الأمة بالحجية على أي دعوى من هذه الدعاوي ، لا يتضح له وجه وليس عليه دليل ، نعم ما ذهب إليه القائلون باكتشاف رأي المعصوم من دخوله ضمن المجمعين لا يعين الأمة جميعا بل يكفي منها ما يعتقد فيه بدخول المعصوم .
قال المحقق في المعتبر ، وهو ممن يذهبون إلى أن مناط الحجية هو دخول المعصوم : « فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة ، ولو حصل في اثنين ، كان قولهما حجة » « 1 » .
وقال السيد المرتضى : « إذا كان علة كون الإجماع حجة كون الإمام فيهم ، فكل جماعة كثرت أو قلت كان الإمام في أقوالها ، فإجماعها حجة » « 2 » إلى ما هنالك من التصريحات بذلك .
حكم منكري حجية الإجماع
ومن هذه الأدلة التي عرضناها - وهي قابلة للمناقشة - لا نرى مبررا لمن يذهب إلى تكفير منكري حجية الإجماع ، كما ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين بدعوى « ان إنكاره متضمن إنكار دليل قاطع وهو يتضمن إنكار صدق الرسول صلّى اللّه عليه وآله وذلك كفر » « 3 » .
[ الصفحة 258 ]
وما أجمل ما قاله إمام الحرمين ، وهو يفصل القول في المسألة ويرد على هؤلاء دعواهم : « فشا في لسان الفقهاء ان خارق الإجماع يكفر ، وهو باطل قطعا ، فان منكر أصل الإجماع لا يكفر ، والقول في التكفير والتبري ليس بالهيّن - ثم قال - : نعم من اعترف بالإجماع وأقرّ بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه ، كان التكذيب آئلا إلى الشارع ، ومن كذّب الشارع كفر ، والقول الضابط فيه ان من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم جحده كان منكرا للشرع وإنكاره جزءا من الشرع كإنكاره كله » « 4 » .
وهذا التفصيل من إمام الحرمين في موضعه لوضوح ان إنكار الطريق لا يستلزم إنكار حكم شرعي ثبت بالضرورة ، بخلاف الاعتراف به وجحوده والتنكر له لانتهائه إلى إنكار ما ثبت من
هامش
( 1 ) المعتبر : ص 6 .
( 2 ) أصول الفقه للمظفر : 3 - 93 .
( 3 ) أصول الفقه للجعفري : ص 281 .
( 4 ) أصول الفقه للخضري : من 281 .