القطع من تلك الفتاوي برأي المعصوم عليه السّلام ، للملازمة العاديّة الثابتة بينهما ، أو أنّها اتّفاقيّة بمعنى أنّها ليست عقليّة حتى يستحيل الانفكاك عقلا ، ولا عاديّة حتى يستحيل الانفكاك عادة ، بل اتّفاقيّة قد يتّفق لشخص حصول القطع من تلك الفتاوى برأي المعصوم عليه السّلام .
ولا يخفى أنّ الملازمة العقليّة ممنوعة ، وذلك لأنّه ليس مبناها إلّا أحد أمرين :
إمّا قاعدة اللطف ، فادّعوا وجوب اللطف عليه تعالى ، بمعنى أنّه يجب عليه تعالى إيصال العباد إلى مراتبهم الكمالية ، ولذا قالوا بوجوب بعث الرسل وإنزال الكتب وتبليغ الأحكام حتى تكمل النفوس البشرية ، فيجب عليه تعالى [ الصفحة 155 ] تبليغ أحكامه إلى العباد ، لتكمل نفوسهم ، فمتى اجتمعوا على الخطأ يجب عليه تعالى أن يبلغ حكمه إليهم ويلقي الخلاف بينهم بنحو من الأنحاء بوسيلة الخلفاء أو الأوصياء وغيرهم حتى لا يقعوا في مخالفة الواقع ، فوجب انحطاطهم عن رتبتهم وعدم وصوهم إلى تلك المرتبة ، وعلى هذا فمتى اجتمعوا على أمر ولم يكن خلاف بينهم يستكشف من ذلك أنّ الحكم عند المعصوم عليه السّلام على طبق ما اجتمعوا عليه ، إذ لو كان على خلافه ، يجب عليه تعالى إعلامه وتبليغه ، وحيث لم يوصل يحكم بأنّ التكليف على طبق ما اجتمعوا عليه . ولا يخفى ما فيه :
أمّا أوّلا : فلأنّ قاعدة اللطف - على تقدير تسليمها - لا تقتضي إلّا تبليغ الأحكام على النحو المتعارف لا على خلافه ، والمفروض أنّه تعالى قد بلّغ أحكامه إلى عباده بالطريق المتعارف ، فأوحى إلى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله ثم أمره بتبليغها إلى العباد وإلى أوصيائه حتى يبلّغوها إليهم ، فما هو وظيفته تعالى قد أدّاه ، وإنّما عرض الاختفاء لبعض الأمور الخارجية التي لا ربط لها به تعالى ، كإخفاء الظالمين ، وحينئذ لا دليل على وجوب تبليغه ثانيا بطريق آخر غير متعارف وإلقائه الخلاف بينهم مع أنّه لو وجب ذلك لا يفرّق بين جميع العلماء وعلماء بلد واحد ، فيجب إلقاء الخلاف بينهم إذا اجتمعوا على خلاف الواقع ، بل يجب ذلك فيما إذا انحصر في عصر عالم واحد وكان اجتهاده على خلاف الواقع ، وهذا ممّا لم يتوهّمه أحد .
وأمّا ثانيا : فلأنّه إن كان المراد أنّه يجب على الإمام عليه السّلام تبليغ الأحكام وإلقاء الخلاف مع إظهار إمامته وبعنوان كونه إماما ، فليس كذلك قطعا .
وإن كان المراد أنّه يجب عليه ذلك حتى مع إخفاء الإمامة ، فهذا [ الصفحة 156 ] لا فائدة فيه ، ولا تترتّب عليه ثمرة ، إذ لا يسمع أحد من الشخص المجهول الحال حكما أبدا ، فقاعدة اللطف -
إجماعات فقهاء الإمامية — صفحة 492
مساهمون: السيد أحمد الموسوي الروضاتي
ص٤٩٢