محمد باقر الصدر . دروس في علم الأصول ج 1
الإجماع
- دروس في علم الأصول - السيد محمد باقر الصدر ج 1 ص 243 : « 1 »
الإجماع اتفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى في الحكم بدرجة توجب [ الصفحة 244 ] إحراز الحكم الشرعي ، وذلك أن فتوى الفقيه في مسألة شرعية بحتة تعتبر إخبارا حدسيا عن الدليل الشرعي ، والاخبار الحدسي هو الخبر المبني على النظر والاجتهاد في مقابل الخبر الحسي القائم على أساس المدارك الحسية ، وكما يكون الخبر الحسي ذا قيمة احتمالية في إثبات مدلوله ، كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبرا حدسيا يحتمل فيه الإصابة والخطأ معا ، وكما أن تعدد الاخبارات الحسية يؤدي بحساب الاحتمالات إلى نمو احتمال المطابقة وضآلة احتمال المخالفة ، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية حتى تصل إلى درجة توجب ضآلة احتمال الخطأ في الجميع جدا ، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا . وهذا ما يسمى بالإجماع .
فالإجماع والخبر المتواتر مشتركان في طريقة الإثبات بحساب الاحتمالات ، ويعتمد الكشف في كل منهما على هذا الحساب ، ولكنهما يتفاوتان في درجة الكشف .
فإن نمو الاحتمال الموافق وتضاؤل احتمال المخالفة أسرع حركة في التواتر منه في الإجماع وذلك لعدة أمور يمكن إبراز أهمها في النقاط التالية :
الأولى : ان القيمة الاحتمالية للمفردات في الإجماع أصغر من القيمة الاحتمالية في التواتر ، لان نسبة وقوع الخطأ في الحدسيات أكبر من نسبة وقوعه في الحسيات .
الثانية : أن الخطأ في مفردات الإجماع لا يتعين أن يكون ذا مركز واحد ، بينما يكون الخطأ في الاخبار الحسية منصبا على مركز واحد عادة .
فحينما يفتي فقهاء عديدون بوجوب غسل الشعر في غسل الجنابة ، ويكونون على خطأ مثلا ، قد يكون خطأ أحدهم ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة السند ، وخطأ الآخر ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة الدلالة ، وخطأ الثالث ناشئا من اعتماده على أصالة الاحتياط وهكذا .
هامش
( 1 ) النسخة المعتمدة : نشر دار الكتاب اللبناني - مكتبة المدرسة - بيروت - الطبعة الثانية 1406 .