الأعصار والأمصار .
والمراد منها : عمل الناس من غير اشتراط كونهم من العلماء ، ولذا قيل :
إنها تكشف عن إجماع العلماء الكاشف عن قول الحجة ، أو تكشف عن قول أو فعل أو تقرير من النبي أو أحد الأئمة عليهم السّلام .
قيل : وعلى هذا مبنى السيرة التي تداول الاستناد إليها في كتب الاستدلال .
ووجه عدم جعلها دليلا مستقلا في الأصول ، إنها ان اقترنت مع إجماع العلماء ، فيستغنى به عنها . وان اقترنت مع خلاف منهم أو وجود نص على خلافها ، لم توجب كشفا . وأما ما لم تقترن بشيء منهما ، فشاذ نادر التحقق ، ومثله لا يصلح لجعله دليلا من أدلة الاحكام « 1 » .
أقول : لا يخفى ان السيرة لو كانت كاشفة فهي أيضا من شعب المعنى الثالث للإجماع ، إذ لم يقيد ذلك باتفاق العلماء ، فلا يقال : ان الإجماع هو اتفاق العلماء الكاشف ، بل إنه الاتفاق الكاشف ، فلا تكون طريقة على حدة .
مع ما فيها من الخلل ، لأنه ان أريد من السيرة طريقة الناس في عصر أو أعصار متقاربة ، من غير الصعود إلى أعصار الأئمة أو ما يقاربها أو معظم الأعصار التي بعدهم ، فلا كشف فيها عن قول الإمام ولا العلماء أصلا .
وكم للناس في الأعصار والأمصار من السير المعلوم فسادها ؟ وكم من طريقة في الأمور الشرعية وغيرها بين الناس غير مستندة إلى مأخذ ، أو منتهية في الشرعيات إلى فتوى فقيه أو قول عالم وان لم يكن من أهل الفتوى .
الا ترى سيرتهم في ارتكاب غيبة الناس بعضهم لبعض ، وحلفهم بغير اللّه سبحانه من الآباء والأمهات والأصدقاء ، وتكلم النساء مع الأجانب - سيما الأقارب - وكشفهن عن وجوههن وشعورهن وأعناقهن وصدورهن لهم ، واجتنابهم عن المشي في الأرض حافيا وملامة من يفعل كذلك ، وعن البول بلا ماء حتى يعدونه من المعاصي ، وعن الاستنجاء بالخرق والأحجار .
وألا ترى سيرتهم في ترك النهي عن المنكر ونحو ذلك .
وإن أريد سيرة الناس يدا بيد إلى زمان أصحاب الإمام وما يقاربه ، فمن أين يعلم ذلك ؟ .
هامش
( 1 ) انظر كشف القناع : 216 .