في إخراج الماء من البئر مثلًا الذي هو مقدّمة للوضوء الذي هو مقدّمة للصلاة ، ترشّح عليه الوجوب الغيريّ ؛ لأنّ ملاك ذلك هو المقدّميّة في عالم الوجود ، وهو ثابت ، أمّا إذا أصبحت المقدّمة الثانية - بسحر ساحر - نفس ذي المقدّمة ، كما هو المفروض في المقام ، فلا معنى لترشّح الوجوب الغيريّ عليها ؛ إذ لو فرض ترشّحه من المقدّمة الأولى ، فهذا خلف ما وضّحناه : من أنّ المقدّمات الثانويّة إنّما تكسب وجوبها من ذي المقدّمة الأصليّ ، لا من المقدّمة الأوّليّة ، ولو فرض ترشّحه من ذي المقدّمة الأصليّ ، فملاكه إنّما هو التوقّف والمقدّميّة ، ومن المعلوم : أنّ التوقّف والمقدّميّة فرع الاثنينيّة المفقودة في المقام .
الثالث : أنّه لو غضّ النظر عن كلا الجوابين ، وافترض التسلسل ، فهذا التسلسل ليس أمراً مستحيلًا ؛ لأنّه ينقطع بانقطاع الاعتبار والملاحظة .
وتوضيح ذلك : أنّ التسلسل - على ما ذكر الحكماء - على قسمين :
1 - التسلسل الذي يمشي ويصعد بلا نهاية ، بلا حاجة إلى ملاحظة الملاحظ ، وتدخّل متدخّل فيه ، كَأن يكونَ هذا له علّة ، وعلّته لها علّة ، وهكذا ، وهذا هو المحال .
2 - / التسلسل بمعنى : أنّه لا يتوقّف كلّما مشى الإنسان والملاحظ في ملاحظته ، ومتى توقّف عن الملاحظة توقّف التسلسل ، وهذا ليس محالًا .
والمقام من هذا القبيل ، فإنّ هذه الوجوبات كلّها أشواق نفسيّة ، تتوقّف على الالتفاتات ، وليس معنى هذه الوجوبات وجود أشواق لا متناهية بالفعل .
وهذا الجواب الثالث يتمّ على كلا تقريبي التسلسل .
الوجه الثاني : لزوم اجتماع المثلين ؛ إذ يلزم كون الصلاة قيداً للواجب الغيريّ ومقدّمة له ؛ لأنّ الواجب هو الوضوء الموصل إلى الصلاة ، فيتّصف نفس الواجب النفسيّ بالوجوب الغيريّ ، ويكون محطّاً لوجوبين .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 497
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٩٧