الحيثيّات في الأحكام العقليّة تقييديّة دائماً حتّى في أحكام العقل النظريّ ، ولكنّه اعترض بخروج المقام عن ذلك ؛ لأنّ وجوب المقدّمة المبحوث عنه هو الوجوب الشرعيّ لا العقليّ ، والعقل مجرّد كاشف عنه « 1 » .
مع أنّ هذا تهافت ؛ إذ بعد تسليم رجوع الحيثيّات إلى التقييديّة في الأحكام العقليّة العمليّة والنظريّة معاً لا وجه لدعوى خروج محلّ الكلام عن تلك القاعدة ؛ إذ ليس دور العقل في الأحكام العقليّة سوى الكشف والإحراز ، وهو واضح ، خصوصاً في أحكام العقل النظريّ ، فالتسليم بتلك المقدّمة مناقض للاعتراض المذكور .
والتحقيق في الجواب على هذا الكلام أن يقال :
أوّلًا : إنّ رجوع الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة كلام موروث يراد به الأحكام العقليّة العمليّة ، دون النظريّة ، والتي منها وجوب المقدّمة شرعاً « 2 » .
توضيح ذلك : أنّ الأحكام العقليّة العمليّة إدراكات لُامور واقعيّة نفس الأمريّة ، هي الحسن والقبح في الأفعال ، وكونها ممّا ينبغي أو لا ينبغي ، وكلّ فعل عرض عليه عنوان حسن أو قبيح سرى إليه عقلًا الحسن والقبح على أساس الواسطة في العروض لا غير ، وليست كالأحكام الشرعيّة جعولًا وانشاءات بيد الجاعل ، فإذا كانت حيثيّة التأديب هي الواسطة في عروض الحسن للضرب ، فلا معنى لافتراض : أنّ موضوع هذا الحكم النفس الأمريّ هو الضرب دون التأديب ، وذلك
هامش
( 1 ) راجع المحاضرات ، ج 2 ، ص 407 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف
( 2 ) قد التفت الشيخ الإصفهانيّ رحمه الله إلى هذا الجواب في تعليقه على نهاية الدراية . راجع نهاية الدراية ، ج 2 ، ص 134 ، تحت الخطّ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت