فموضوع البحث هنا هو المعنى الأوّل ، وهو القول باختصاص الوجوب بالمقدّمة التي يقصد معها التوصّل .
وهذا الاحتمال يواجه بدواً استغراباً ؛ إذ لا نكتة ولا ملاك في تقييد الواجب الغيريّ بقصد التوصّل ؛ لأنّ ملاك الوجوب الغيريّ للمقدّمة : إمّا أن يكون حيثيّة توقّف الواجب النفسيّ عليها ، وهو يقتضي وجوب مطلق المقدّمة ، وإمّا أن يكون حيثيّة حصول الواجب النفسيّ به ، وهو يقتضي وجوب المقدّمة الموصلة بالخصوص ، فاعتبار قصد التوصّل لا موجب له .
وقد حاول المحقّق الإصفهانيّ رحمه الله توجيه ذلك بتقريب مؤلّف من مقدّمتين :
الأولى : أنّ الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة العمليّة أو النظريّة كلّها تقييديّة ، بحيث تكون هي موضوع ذلك الحكم العقليّ ، فالحكم بجواز ضرب اليتيم للتأديب موضوعه الضرب التأديبي ، والحكم باستحالة الدور للتناقض مثلًا موضوعه استحالة التناقض ، لا الدور بما هو دور ، وعليه يكون وجوب المقدّمة الثابت بحكم العقل بالملازمة موضوعها الموصل ؛ لأنّ الموصّليّة هي الحيثيّة التعليليّة للحكم المذكور .
الثانية : أنّ التكليف لا يتعلّق إلّابالحصّة الاختياريّة من المتعلّق ؛ إذ يستحيل البعث نحو غير الاختياريّ ، فالحصّة غير الاختياريّة لا تقع مصداقاً للواجب وإن كانت محصّلة للغرض ، والعنوان الواجب لا يقع اختياريّاً إلّاإذا صدر عن قصد وإرادة واختيار له ، فإذا كان التوصّل بعنوانه هو الواجب الغيريّ فلا يقع مصداقاً للواجب ما لم يصدر هذا العنوان عن قصد « 1 » .
وقد اعترف السيّد الأستاذ - دامت بركاته - بما ذكر في هذا التقريب : من كون
هامش
( 1 ) راجع نهاية الدراية ، ج 2 ، ص 133 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت