وثالثاً : لو سلّم ذلك أيضاً ، وافترضنا الواجب الغيريّ كالواجب النفسيّ ، مع ذلك نقول : يكفي في اختياريّة الفعل - بنحو يكون هو الشرط في التكليف والبعث إليه - أن يكون صادراً عن قدرة العبد والتفاته ، بمعنى : عدم غفلته ، ولا جهله المركّب ، فلو ضرب المكلّف شخصاً وهو ملتفت إلى أنّه يؤدّي إلى قتله ، كان القتل الصادر اختياريّاً ولو فرض عدم قصده له ، بل كان قصده عنواناً آخر ، فلا يشترط قصد المسبّب في اختياريّته .
ورابعاً : لو سلّم اشتراط قصد الفعل وإرادته في وقوعه اختياريّاً ، قلنا : يكفي في انطباق التكليف وكون الفعل مصداقاً للواجب أن يكون المعنون صادراً عن اختيار المكلف وقصده وإن لم يقصد العنوان ولم يختره « 1 » ، ما لم يكن العنوان الواجب من العناوين القصديّة كالاحترام والتعظيم ، وكان عنواناً ينطبق على الفعل قهراً ، فلو صدرت المقدّمة من المكلّف لا بقصد الإيصال ، ولكنّها كانت موصلة واقعاً ، كانت مصداقاً للواجب ؛ لكونها مصداقاً للموصل - لا محالة - ولو لم يكن عنوان الموصل باختياره وقصده ، ولذلك لا يستشكل أحد في وقوع الواجب التوصّليّ لو جيء به بغير العنوان الذي به وجب إذا لم يكن من العناوين القصديّة ، كما إذا أزال النجاسة بعنوان التجميل لا التطهير .
وخامساً : لو سلّمنا جميع ما يتوقّف عليه التقريب المذكور ، فمع ذلك لا تثبت مقالة الشيخ الأعظم رحمه الله ، وإنّما تثبت مقالة أخرى ، هي القول باختصاص الوجوب الغيريّ بالمقدّمة الموصلة مع قصد التوصّل بها ، وهذا جمع بين مقالتي الشيخ الأعظم وصاحب الفصول 0 ، وليس هو مدّعى الشيخ من وجوب المقدّمة التي قصد بها التوصّل ولو لم تكن موصلة .
هامش
( 1 ) التفت الشيخ الإصفهانيّ رحمه الله إلى هذا الجواب في تعليقه على نهاية الدراية . راجعنهاية الدراية ، ج 2 ، ص 134 ، تحت الخطّ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت