إشكال الطهارات الثلاث
الجهة الرابعة : في إشكال الطهارات الثلاث ، حيث يقال : إنّها واجبات غيريّة ، مع أنّها لا تتمتّع بصفات الواجبات الغيريّة .
والإشكال يمكن أن يقرّب بتقريبات :
التقريب الأوّل : أنّه لو توضّأ لا على وجه التقرّب ، لم يخرج عن عهدة المقدّميّة ، وبطل وضوؤه ، فيقال : إنّ التقرّب غير مقدور للمكلّف ؛ لأنّ الأمر المقدّميّ لا يمكن أن يكون امتثاله مقرّباً وموجباً لاستحقاق الثواب ، ولا تركه مبعّداً وموجباً لاستحقاق العقاب ، فكيف يتأتّى له الوضوء القربيّ مع أنّ التقرّب يتوقّف على تعلّق أمر بالفعل صالح للمقرّبيّة نحو المولى ، والأمر بالوضوء ليس كذلك ، فالإتيان به على وجه عباديّ غير مقدور له .
هذه هي الصياغة الساذجة للإشكال .
ويكفي في مقام الجواب عليه أن يقال : إنّ التقرّب بالوضوء من ناحية الأمر الغيريّ وإن كان غير ممكن ، لكن التقرّب به من ناحية الأمر النفسيّ بذي المقدّمة أمر ممكن ، وهو الذي نسمّيه بقصد التوصّل باعتبار أنّ الأمر بذي المقدّمة يحرّك نحو سدّ تمام أبواب عدمه ، ومنها عدمه بعدم الوضوء ، فالمقدّمة بهذا القصد محسوبة على المولى ، وتدخل في حصول الغرض .
التقريب الثاني : كأ نّه تعميق للتقريب الأوّل ، فيسلّم : أنّ الإتيان بالوضوء قربيّاً ممكن ، ولكن يقال : إنّ الأمر الغيريّ لا يمكن أن يكون سقوطه متوقّفاً على قصد القربة ، فإنّ الغرض من الأمر الغيريّ إنّما هو التوصّل إلى الواجب لا التعبّد ، وذلك يتحقّق بمجرّد الإتيان بذات المقدّمة ، كما أنّ الكون على السطح يتوقّف على نصب السلّم ، فنصب السلّم يكفي للتوصّل إلى المطلوب بلا حاجة إلى قصد القربة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 478
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٧٨