الأمر الغيريّ غير مستقلّ في الوجود ، بل هو تابع في الوجود للأمر النفسيّ ، فكذلك يتبعه في التحريك ، ولا يمكن أن يكون له تحريك مستقلّ ، فالمحرّك حقيقة هو الأمر النفسيّ .
وكأنّ هذه الاصطلاحات مأخوذة من الحكماء ، حيث قالوا : إنّ كلّ ممكن غير مستقلّ في الوجود ، بل يتبع في وجوده واجب الوجود ، فلا يستقلّ في الإيجاد والفاعليّة أيضاً ، ومن هنا صحّ القول بأ نّه لا فاعل حقيقة إلّااللَّه ، فكأنّ هذا المطلب أريد تطبيقه هنا ، فالأمر الغيريّ حيث إنّه غير مستقلّ في الوجود في مقابل الأمر النفسيّ فلا يكون مستقلّاً في المحرّكيّة والفاعليّة ، بل فاعليّته من شؤون فاعليّة الأمر النفسيّ ، في حين أنّ إسراء هذا البيان من مورد كلام الحكماء إلى ما نحن فيه غير صحيح ؛ لأنّ الفاعل والموجد للوضوء خارجاً إنّما هو الإنسان ، لا الأمر الغيريّ ، وتعبيرنا بفاعليّة الأمر الغيريّ مسامحة ، وإنّما الأمر بالوضوء يوجب فوائد مترتّبة على الوضوء : من استحقاق ثواب والتجنّب عن عقاب ، فيكون هذا علّة غائيّة للفعل ، فلابدّ من النظر إلى أنّ تلك الفوائد هل تترتّب على قصد الأمر الغيريّ مستقلّاً ، أو لا .
الوجه الرابع : أنّك قد عرفت : أنّ الأمر الغيريّ لا يترتّب على موافقته ثواب ، ولا على مخالفته عقاب ، إذن فلا أثر ولا تقرّب يترتّب على الفعل الذي يكون بتحريك هذا الأمر ، فكيف يعقل تحريك هذا الأمر وحده ، والتقرّب بالإتيان بالفعل بداعويّة هذا الأمر وحده ؟ !
فإن قلت : إنّ امتثال الأمر الغيريّ وإن لم يكن مقرّباً وموجباً للثواب بلحاظ الأمر الغيريّ ، ولكن قد مضى : أنّ الإتيان بالمقدّمة يزيد في حجم ثواب العمل على وفق الأمر النفسيّ ، فيقع الكلام في أنّ الذي يزيد في حجم ثواب العمل بالأمر النفسيّ هل هو خصوص الإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر النفسيّ لذي
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 473
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٧٣