تمتاز ببيان الانحلال ببرهان آخر أيضاً ؛ ولذا كان الانحلال فيه أوضح ، وهو : أنّ البراءة عن المطلق لا تجري بقطع النظر عن البيان السابق ؛ وذلك لأنّ وجوب المطلق ينحلّ إلى وجوب ذات المطلق وإلى إطلاقه : أمّا وجوب ذات المطلق ، فمعلوم ولو في ضمن المقيّد ، وأمّا إطلاقه ، فليس ثقيلًا وضيّقاً حتّى يشمله دليل البراءة ، فإنّ مفاد دليل البراءة هو التوسيع .
وبهذا يتّضح : أنّه عندنا قانونان للانحلال الحكميّ ، أحدهما يشمل المقامات الأربعة ، وهو كون مخالفة أحدهما مستلزمة لمخالفة الآخر ، والثاني يختصّ بقسم من المقام الرابع ، وهو الأقلّ والأكثر بالمعنى الأخصّ ، وهو : أنّه لا معنى لشمول البراءة لوجوب المطلق ؛ إذ ذات المطلق معلوم الوجوب ، وإطلاقه ليس ثقيلًا حتّى يرفع .
ثُمّ إنّك عرفت : أنّ ملاك الانحلال فيما نحن فيه هو : أنّ ترك محتمل المقدّميّة مخالفة لكلا الواجبين النفسيّين المحتملين ، بخلاف ترك الآخر ، فمتى ما ثبتت هذه النكتة ثبت الانحلال ، ومتى ما لم تثبت لم يثبت الانحلال .
وعليه فنقول : إنّ محتمل المقدّميّة - وهو الوضوء مثلًا - تارةً يفرض : أنّ وقته على تقدير كونه واجباً نفسيّاً ، ووقته على تقدير كونه واجباً غيريّاً متّحد ، أو أنّ الأوّل أوسع من حيث الابتداء ، أو الانتهاء ، أو من كلا الجانبين ، وعندئذٍ تنطبق عليه هذه النكتة للانحلال بلا إشكال ؛ فإنّه لو ترك الوضوء فقد ترك الواجب الآخر ، وهو الزيارة المقيّدة بالوضوء ، أو تقيّد الزيارة بالوضوء ، في حين أنّه يمكنه أن يترك الواجب الآخر ، بأن يترك الزيارة المقيّدة بالوضوء في الصورة الثانية من الصور الأربع التي أشرنا إليها آنفاً في أوّل البحث ، أو يزور قبل الوضوء في الصورة الرابعة من تلك الصور من دون أن يترك الوضوء .
وأخرى يفرض : أنّ الوقتين متباينان ، أو أنّ الثاني أوسع ، وعندئذٍ تختلّ النكتة ، فهناك فرضان لاختلال النكتة :
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 459
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٥٩