التقريب الثاني : الانحلال الحكميّ بإجراء البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارضة بالبراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء ؛ لأنّ نفي وجوبه النفسيّ إن قصد به التوصّل إلى نفي العقاب بلحاظ ترك الوضوء الذي هو مخالفة قطعيّة ، فهذا خارج عن عهدة البراءة ، ويكون ذلك غير قابل للرفع عقلًا أو عقلائيّاً ، فإنّه لو ترك الوضوء فقد خالف حتماً : إمّا الوجوب النفسيّ للوضوء ، أو الوجوب النفسيّ للزيارة المقيّدة بالوضوء ، وهو يستحقّ العقاب يقيناً ، وإن قصد به التأمين عن عقاب آخر ، فلا يحتمل عقاب آخر حتّى يؤمّن من ناحيته ؛ فإنّ المفروض : أنّه لا يوجد إلّاوجوب نفسيّ واحد ، فلا يوجد إلّاعقاب واحد ، وهذا بخلاف البراءة عن وجوب الزيارة ، فإنّ ترك الزيارة لا يستلزم المخالفة القطعيّة ؛ إذ بإمكانه أن يتوضّأ ولا يزور ، وحينئذٍ يشكّ في العقاب ، ويكون نفي العقاب بإجراء البراءة عن وجوب الزيارة .
الصورة الثالثة : أن نفترض : أنّنا عرفنا فقط أنّ المولى أمر بالوضوء ، ولا ندري :
هل هو واجب نفسيّ ، أو غيريّ ، وعلى تقدير كونه غيريّاً الأمر يدور في واجبه النفسيّ الذي يكون هذا مقدّمة له بين أمور غير محصورة ، فيتشكّل علم إجماليّ بوجوب نفسيّ مردّد بين أمور غير محصورة إمّا الوضوء ، أو أحد أمور كثيرة . وقد حقّقنا في محلّه : أنّ العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة لا ينجّز حتّى حرمة المخالفة القطعيّة ، وأ نّه تجري البراءة في كلّ الأطراف ، فتجري البراءة حتّى عن الوجوب النفسيّ للوضوء .
ولا يقال : إنّ ترك الوضوء بالأخرة يؤدّي إلى المخالفة القطعيّة ؛ فإنّه لا بأس بذلك .
الصورة الرابعة : أن نعلم إجمالًا أنّ الوضوء : إمّا واجب نفسيّ ، أو واجب غيريّ لما هو معلوم الوجوب على كلّ حال كالصلاة مثلًا .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 454
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٥٤