وأمّا الأصل العمليّ : فنتكلّم فيه بلحاظ عدّة صور :
الصورة الأولى : أن يكون الوضوء على تقدير كونه واجباً غيريّاً مقدّمة لواجب نفسيّ غير الفعليّ ، كأن يكون مقدّمة للصلاة ، ولكن المكلّف عبارة عن امرأة حائض فعلًا ، وهذا معناه : أنّ الوجوب الغيريّ للوضوء غير فعليّ حتماً ، والوجوب النفسيّ له مشكوك تجري عنه البراءة بلا إشكال .
الصورة الثانية : أن يعلم إجمالًا : إمّا بوجوب الوضوء نفسيّاً ، أو بوجوبه غيريّاً مقدمةً لشيء نحن لا نعلم بوجوبه بالفعل ، أي : لا نعلم بكونه واجباً حتّى على تقدير نفسيّة وجوب الوضوء ، وإنّما نعلم بوجوبه على تقدير كون وجوب الوضوء غيريّاً ، وذلك كما لو علمنا إجمالًا بأ نّه : إمّا يجب الوضوء وجوباً نفسيّاً ، أو تجب الزيارة مثلًا المقيّدة بكونها مع وضوء ، فيكون الوضوء واجباً غيريّاً من دون العلم الفعليّ بوجوب الزيارة .
وفي هذه الصورة يتشكّل علم إجماليّ : إمّا بوجوب الوضوء نفسيّاً ، أو بوجوب الزيارة مثلًا نفسيّاً .
وهناك تقريبان لدعوى انحلال هذا العلم الإجماليّ ، والرجوع إلى الأصل المؤمّن :
التقريب الأوّل : دعوى الانحلال الحقيقيّ ؛ لكون أحد طرفي العلم الإجماليّ - وهو الوضوء - معلوم الوجوب تفصيلًا ، فيكون الطرف الآخر - وهو الزيارة - مشكوك الوجوب بدواً ، ونفي وجوبه بالبراءة .
وهذا التقريب غير صحيح ؛ إذ الانحلال الحقيقيّ غير معقول إذا لم يكن متعلّق العلم التفصيليّ من سنخ متعلّق العلم الإجماليّ ، وهنا متعلّق العلم الإجماليّ إنّما هو الوجوب النفسيّ : إمّا للوضوء ، أو للزيارة ، في حين أنّ متعلّق العلم التفصيليّ ليس هو الوجوب النفسيّ ، بل الجامع بين الوجوب النفسيّ والغيريّ للوضوء .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 453
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٥٣