وقواعد الجمع العرفيّ ، وتقديم أقوى الظهورين كلّها مرتبطة بالمرحلة الثانية ، أي : أنّه بعد الفراغ عن صدورهما معاً يقال : هذا له كشف عن العموم مثلًا ، وذاك له كشف عن الخصوص ، فيقدّم ما هو أشدّ كشفاً ، ويصلح أن يكون قرينة على المراد من الآخر . أمّا لو وقع الإشكال والكلام في المرحلة الأولى ، وعلم إجمالًا بكذب أحدهما ، ففي هذه المرحلة لا معنى لإعمال قواعد الجمع العرفيّ ، وتقديم أقوى الظهورين ؛ إذ لم يفرض صدور كلامين منه حتّى يقدم أقواهما كشفاً وظهوراً ، بل نعلم : أنّه لم يصدر منه إلّاكلام واحد ، فلا معنى لإعمال قواعد الجمع العرفيّ .
أو قل بكلمة أخرى : إنّه بلحاظ المرحلة الأولى - أعني : جهة الصدور - نسبة احتمال الكذب إلى كلّ من الخبرين على حدّ سواء ، وكون أحدهما أقوى ظهوراً ، والآخر أضعف لا يوجب أقوائيّة احتمال الكذب وأضعفيّته ، ولكن بلحاظ المرحلة الثانية - أعني : جهة الظهور - يكون احتمال الكذب أقرب - لا محالة - إلى أحد الظهورين منه إلى الآخر حينما يكون ذاك الظهور أضعف من الظهور الآخر ، ويكون هذا نكتة في تقديم العرف للظهور الأقوى ، وجعله قرينة على التصرّف في الآخر « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ الشيخ النائينيّ رحمه الله لم يكن بصدد قياس العلم بكذب أحد الظهورين بالعلم بكذب أحد الخبرين في عدم تقديم الظهور الأقوى حتّى يكون ذلك خلطاً بين المرحلتين ، وكلامه في فوائد الأصول واضح في إرادة قياس العلم بكذب أحد الخبرين في كونه داخلًا تحت اشتباه الحجّة باللاحجّة وأحكامه ، لا تحت التعارض وأحكامه بفرض العلم بكذب أحد الخبرين ، فالمقصود هو التقريب الثاني زائداً على النقض بقياس العلم بكذب أحد الظهورين بالعلم بكذب أحد الصدورين ، فيقال : كما أنّ العلم بكذب أحد الصدورين لا يخلق التعارض بين السندين ، بل يوجب اشتباه الحجّة واللاحجّة بينهما ؛
لأنّه يسقط أحد السندين المعيّن عند اللَّه عن الحجّيّة غير المعيّن عندنا ، كذلك العلم بكذب أحد الظهورين يوجب اشتباه الحجّة واللاحجّة بينهما ، لا التعارض ؛ لأنّه يسقط أحد الظهورين المعيّن عند اللَّه غير المعيّن عندنا عن الحجّيّة .
والجواب بعد وضوح أنّ الكذب الواقعيّ في الصدورين أو التقييد الواقعي في الظهورين مثلًا ليس هو الذي يسقط أحدهما عن الحجّيّة : أنّ العلم الإجماليّ بالكذب أو التقييد إن لم يكن مشتملًا على مؤشّر يؤشّر إلى أحدهما المعيّن عند اللَّه المجهول عندنا ، كما لو كان العلم بالتضادّ هو الذي ولّد العلم الإجماليّ بالخلاف مثلًا ، فمن الواضح : أنّ هذا العلم نسبته إلى إسقاط حجّيّة أيّ واحد منهما مع الآخر متساوية ، فلا معنى لإسقاط أحدهما المعيّن عند اللَّه عن الحجّيّة ، فيرجع الأمر إلى التعارض دون اشتباه الحجّة باللاحجّة ، وإن كان مشتملًا على مؤشّر من هذا القبيل ، كما لو كان العلم بكذب أحدهما ناشئاً من إخبار نبيّ بكذب أحدهما المعيّن مع نسياننا بعد ذلك التعيين ، وتذكّرنا لأصل إخبار النبيّ ، فالظاهر : أنّ هنا أيضاً لا يؤثّر العلم الإجماليّ إلّابقدر سقوط المجموع عن الحجّيّة ، لا سقوط أحدهما ، فيرجع إلى التعارض دون اشتباه الحجّة باللاحجّة ، وآية ذلك أنّه لو كان أحدهما لا أثر له شرعاً ينجو الآخر عن السقوط في الفهم العرفيّ ، وهذا إنّما يكون في فرض التعارض ، لا في فرض اشتباه الحجّة باللاحجّة