أقول : إنّ دعوى عدم تقديم أحد الظهورين على الآخر بالأقوائيّة عند فرض التعارض بالعرض ولو فرض أنّ أحدهما في منتهى درجة القوّة ، والآخر في منتهى درجة الضعف خلاف ما يبدو للذهن من الارتكاز العرفيّ على الخلاف ، مثلًا حينما يقول المولى : ( لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاثاً ) ، كان ظهور الكلام في الحصر قويّاً جدّاً ، بينما ظهور قوله : ( لا تقضي الحائض ما فاتتها من الصلاة ) في شموله لصلاة الآيات التي يكون ابتلاء الحائض بها في غاية الندرة ، وأوّل ما يتبادر إلى الذهن الصلوات اليوميّة التي تبتلي الحائض بها في كلّ يوم ضعيف جدّاً ، فالذي يبدو لنا بحسب الفطرة العرفيّة أنّه ينبغي تقديم الأوّل على الثاني إذا علمنا إجمالًا بمخالفة أحد الظهورين للواقع ، فينبغي أن نرى : أنّه ما هي الشبهة التي دعت إلى مجافاة هذا الارتكاز ، ويمكن تقريبها بعدّة تقريبات :
التقريب الأوّل : ما هو محتمل أجود التقريرات ، وظاهر فوائد الأصول ، وهو :
قياس العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الظهورين على العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الخبرين ، فكما أنّ العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الخبرين في نقله لا يوجب تقديم ما هو الأظهر منهما ؛ لوضوح : أنّ نسبة العلم الإجماليّ بالكذب إليهما على حدّ سواء ، وليس الأقوى ظهوراً أبعد عن الكذب ، ولا الأضعف ظهوراً أقرب إلى الكذب ، فكذلك العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الظهورين لا يوجب تقديم ما هو الأظهر منهما .
وهذا التقريب مبنيّ على الخلط بين مرحلتين ، فإنّه توجد عندنا مرحلتان بلحاظ الكلامين المتعارضين :
إحداهما : أنّ هذين الكلامين هل صدرا من المولى ، أو لا ؟
والثانية : أنّه بعد فرض صدورهما منه ، وكون كلّ منهما كاشفاً عن المراد الجدّيّ هل يكون واقع مراد المولى على طبق هذا الكشف ، أو ذاك ؟
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 442
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٤٢