كافٍ في الوصول إلى ذلك الملاك ، وهو الارتواء مثلًا في مثال العطش ، والنكتة في ترشّح الشوق الغيريّ إلى المقدّمة من الشوق النفسيّ إلى ذي المقدّمة ، إنّما هي كون المقدّمة هي الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب النفسيّ ، فلو استحال على الإنسان كلّ أفراد المقدّمة ، أصبح الشوق إلى المقدّمة بلا معنى ؛ لأنّها ليست طريقاً عمليّاً للوصول إلى محبوبه ، وتمنّي وجود المقدّمة المستحيلة لكي يصل إلى محبوبه النفسيّ لا مبرّر له ، بل يكتفي في تمنّي المستحيلات بتمنّي نفس المحبوب ابتداءً ، ولو استحال عليه بعض أفراد المقدّمة ، تحوّل - لا محالة - شوقه الغيريّ من الجامع إلى الفرد الآخر ؛ لأنّ النكتة في الاشتياق إلى المقدّمة هي كونها الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب ، والآن قد أصبح الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب عبارة عن أحد فردي الجامع بعينه ، دون الجامع على سبيل التخيير بين فرديه ، فحينما كان الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب هو الجامع بين الجزاء وعدم الشرط في نظره اشتاق إلى الجامع ، ولكن حينما رأى أنّ أحد الفردين - وهو عدم الشرط - لا سبيل إليه تحوّل شوقه إلى الفرد الآخر .
ومن هنا يتّضح : أنّ من يعلم من أوّل الأمر بأنّ الشرط - وهو العطش مثلًا - سوف يتحقّق في المستقبل ، فهو من الآن يتعلّق شوقه بالجزاء في ظرفه الاستقباليّ ؛ لأنّه يعلم أنّ الطريق العمليّ في المستقبل إلى محبوبه إنّما هو الجزاء ، دون كلا فردي الجامع على سبيل التخيير ، فهو من الآن يشتاق إلى شرب الماء حين العطش ، وهذا الشوق يجرّه إلى اقتناء الماء وادّخاره « 1 » .
هامش
( 1 ) الواقع : أنّ لمشكلة المقدّمات المفوّتة جوابين كافيين لحلّ روح الإشكال حتّى في الإرادة التكوينيّة :