الإرادة التكوينيّة عن المراد كذلك يستحيل انفكاك الإرادة التشريعيّة عن المراد ، فإذن لا يمكن أن تكون الإرادة التشريعيّة مطلقة وثابتة من حين الغروب ، ويكون المراد مقيّداً بطلوع الفجر ، فتكون الإرادة فعليّة دون المراد .
ولنرجع إلى كلّ واحدة من المقدّمتين لنرى البيان التفصيليّ لها ، فنقول :
المقدّمة الأولى : أنّ الإرادة التكوينيّة لا يمكن أن تنفكّ عن المراد . وتوضيح ذلك : أنّ جسم الإنسان تارة يتحرّك كتحرّك الحجر والماء حركة ناشئة من أسباب خارجيّة بلا ربط للنفس الإنسانيّة المدبّرة بذلك ، وهذه هي الحركة غير الاختياريّة ، وهي خارجة عن محلّ الكلام ، فإنّنا نتكلّم في الحركات الاختياريّة ، وأخرى يتحرّك بالتحريك الذي يتميّز به الإنسان عن الجمادات ، وهو التحريك الناشئ ممّا أودعه اللَّه سبحانه في جسم الإنسان من قوّة عضليّة منبثّة في الجسم ، تثير الجسم وتحرّكه ، وهذا التحريك من شؤون النفس البشريّة في مرتبة القوى العضليّة المنبثّة في الجسم ، فإنّ للنفس البشريّة مراتب ، منها هذه المرتبة . وهذا التحريك لا يكفي في حصوله مطلق الشوق ؛ إذ نرى وجداناً أنّه قد يحصل الشوق بمرتبة ضعيفة مبتلاة بمانع ، فلا يؤثّر ، كما أنّه لا يمكن أن ينشأ هذا التحريك من الأسباب الخارجيّة ، وإلّا لكان خلف نفسانيّته ، وإنّما ينشأ من أسباب نفسيّة ، وبهذا اختلف عن تحرّك الجماد ، فالمؤثّر والفاعل في ذلك لابدّ أن يكون نفسانيّاً ، وليس هو مطلق الشوق كما بيّنّا ، فلابدّ أن نلتزم أنّ المقتضي لهذا التحريك الذي هو من شؤون مرتبة القوى العضليّة هو الشوق بدرجة خاصّة يمكننا أن نصطلح عليها لتسهيل العبارة بالشوق الكامل .
والشوق أيضاً يكون من الأمور النفسانيّة ، وهو في مرتبة القوى النفسانيّة التي تكون أعلى من مرتبة القوى العضليّة والجسميّة ، فيكون تحريك العضلات بملاك تأثير أمر نفسانيّ في أمر نفسانيّ .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 399
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٩٩