النظر إلى المعنى الحرفيّ نظرة مرآتيّة واستطراقاً إلى النظر إلى شيء آخر ، بل قد يكون الهدف متعلّقاً بالنظر إلى نفس المعنى الحرفيّ ، كما لو سُئل : « أين زيد ؟ » فقيل : « زيد في المسجد » ، فهنا من الواضح : أنّ النسبة الظرفيّة بذاتها يقصد النظر إليها ، لا للاستطراق إلى النظر إلى زيد والمسجد ، أو إلى كون زيد والمسجد بناءً على تقدير فعل من أفعال العموم .
وإن أريد بالآليّة : أنّ المعنى الحرفيّ بطبيعته مندكّ في غيره ؛ لأنّه ليس إلّاعبارة عن النسبة المتقوّمة بطرفيها ، فالنظر إليه - لا محالة - نظر اندكاكيّ وتبعيّ ، لا نظر استقلاليّ .
فحينئذٍ نقول : لئن سلّمنا أنّ الإطلاق والتقييد لشيء يحتاج إلى توجّه استقلاليّ للنفس نحو ذلك الشيء ، وسلّمنا أنّ التوجّه الاستقلاليّ للنفس نحو المعنى الحرفيّ الذي لا يوجد في الذهن إلّابوجود اندكاكيّ لا يمكن تعقّله بافتراض : أنّ هذا التوجّه غير ذاك الوجود ، وأ نّه يمكن تعلّقه به مستقلّاً وإن كان وجوده اندكاكيّاً ، لئن سلّمنا كلّ هذا فبالإمكان أن يجاب عن الإشكال بأ نّه يكفي في إمكانيّة الحكم عليه بالإطلاق أو التقييد الالتفات الاستقلاليّ إليه بتوسّط معنىً اسميّ مشير إليه ، كما يصنعه الواضع في وضعه للحروف ، فإنّ الوضع أيضاً كالإطلاق والتقييد حكم من الأحكام يحتاج إلى تصوّر الموضوع له ، فيتصوّره بتصوّر معنىً اسميّ مشير إليه ، ويضع اللفظ لواقع النسبة المشار إليها بهذا المفهوم الاسميّ « 1 » الذي تصوّره ، فليكن التقييد أيضاً من هذا القبيل .
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه : أنّه لا إشكال في تقييد الوجوب ، لا في مرحلة الثبوت ، ولا في مرحلة الإثبات .
هامش
( 1 ) هذا الكلام ناظر إلى مقالة المشهور في الوضع التي ترى أنّ الوضع نوع جعلٍواعتبارٍ وحكمٍ ، لا إلى مقالة استاذنا رحمه الله التي ترى أنّ الوضع هو القرن الأكيد