الإتيان بالفعل الاضطراريّ فيها عدّة مباني :
المبنى الأوّل : أن يلتزم على هذا الفرض بتعلّق الأمر بالجامع بين الفعل الاختياريّ والفعل الاضطراريّ ، والترخيص في تطبيق الجامع على الفعل الاضطراريّ بالرغم من أنّه يوجب تفويت جزء من الملاك اللزوميّ ؛ وذلك لافتراض وجود مصلحة في إطلاق العنان يتدارك بها مفسدة التفويت ، وبناءً على هذا يكون حال هذا الفرض حال الفرض الأوّل ، وهو فرض كون الإجزاء على أساس استيفاء الملاك ، فإنّه هنا وإن لم يستوفِ الملاك ، لكن استوفى ما به يتدارك مفسدة التفويت ، فيأتي هنا كلّ ما شرحناه في الفرض الأوّل بما فيه من المباني الثلاثة .
المبنى الثاني : مبنى المحقّق العراقيّ رحمه الله حيث كان يفرض : أنّ بإمكان المولى الأمر التعيينيّ بالصلاة الجلوسيّة مثلًا لرفع حكم العقل بقبح التفويت ، على ما مرّ سابقاً ، وهذا معناه : أنّه لا يريد التحفّظ حقيقة على الصلاة القياميّة إذا أتى العبد بالصلاة الاضطراريّة ؛ إذ لا يعقل أن يأمر بالصلاة الجلوسيّة تعييناً ، ومع ذلك يريد التحفّظ على الصلاة القياميّة ، فيكون عدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة قيداً في وجوب الصلاة القياميّة ، فإذن وجوب الصلاة القياميّة - على تقدير عدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة - معلوم على كلّ حال ، ولكن وجوبها على تقدير الإتيان بالصلاة الجلوسيّة غير معلوم ؛ إذ لعلّ الملاك الفائت غير قابل للاستيفاء ، فتجري البراءة عنه ، ولا مجال لحديث الشكّ في القدرة ؛ لأنّ الشكّ في القدرة إنّما يكون مجرىً لأصالة الاشتغال إذا كان الشكّ في القدرة على ما علم بدخوله في عهدة المكلّف ، والغرض الذي لم يتصدَّ المولى إلى تحصيله لا يكون داخلًا في عهدة المكلّف ، فما يدخل في عهدته هنا إنّما هو الواجب ، وهو الصلاة القياميّة ، ولا شكّ في قدرته عليه ، وإنّما المشكوك قدرته عليه هو الغرض ، وهو لا يدخل في العهدة ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 304
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٠٤