فإذا لم ترجع القضيّة بلحاظ المتعلّق إلى قضيّة شرطيّة ، إذن ففعليّتها لا تتبع فعليّة المتعلّق ، بل المتكلّم هو يُملي علينا فعليّة الطلب أو الإخبار الآن ، من دون ربط لفعليّة ذلك بفعليّة المتعلّق ، ولا دليل من هذا الطلب أو الإخبار على تعدّد الفعليّة ، فلا محالة لا توجد إلّافعليّة واحدة . هذا .
والفارق الموجود بين الأمر والنهي من حيث إنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ، ولا تنعدم إلّابانعدام كلّ الأفراد ، ولذا يكفي في امتثال الأمر الإتيان بفرد واحد ، ولا يمتثل النهي إلّابترك كلّ الأفراد موجود أيضاً في الإخبار بالإيجاب والإخبار بالنفي ، فحينما يقال : « العالم موجود » لا يدلّ على أكثر من إثبات عالم واحد ، وحينما يقال : « العالم ليس بموجود » يدلّ على نفي كلّ فرد من أفراد العلماء ؛ لأنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ، ولا تنعدم إلّابانعدام كلّ الأفراد .
وإذا قال : « الجاهل ليس بنافع » فالنفي يستغرق كلّ أفراد الجاهل بنكتة الانحلال ؛ لأنّه موضوع مقدّر الوجود ، ويستغرق كلّ أفراد النفع ، لا بنكتة الانحلال ، بل بنكتة : أنّ النفع لا ينتفي إلّابانتفاء كلّ أفراده ، ولهذا لو وجد نفع واحد للجاهل تبيّن كذب هذا الخبر نهائيّاً ؛ لعدم الانحلال ، وفرض وجود نفع آخر أو عدمه - بعد أن فرض وجود نفع ما - نسبته إلى هذا الإخبار على حدّ سواء ، بينما لو وجد جاهل واحد نافعاً ، لم يتبيّن كذب هذا الخبر نهائيّاً بحيث يكون فرض وجود جاهل آخر نافع أو عدمه نسبته إلى هذا الإخبار على حدّ سواء .
ومقصودنا بالموضوع الذي نقول عنه : إنّ مقتضى الطبيعة الأوّليّة للحكم بلحاظه الانحلال ليس هو كلّما يكون مقدّر الوجود ثبوتاً ، أو كلّما كان متعلّق المتعلّق ، وإنّما المقصود خصوص ما يكون نفس الكلام بحسب الفهم العرفيّ دالّاً على كونه مقدّر الوجود ، كالعالم في « أكرم العالم » . وأمّا ما لم تكن للكلام دلالة عرفاً على كونه مقدّر الوجود ، من قبيل التراب والماء في « تيمّم بالتراب ، وتوضّأ بالماء » فلا ينحلّ الحكم بتعدّد أفراده وإن كان هو متعلّق المتعلّق ؛ وإذا عرفنا من الخارج أنّ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 247
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٤٧